فهرس الكتاب

الصفحة 1900 من 2536

هذه بعض آداب الإسلام في الدخول إلى بيوت الناس، فإنه لا يحل لامرئ أن يدخل بيت أحد من الناس إلا أن يستأذن - فإن أذن له دخل - وذلك لما للبيوت من حرمات لا يجوز هتكها أو المساس بها إلا أن يؤذِنَ الداخلُ أهلَ البيت أنه آت، فإن أذنوا له وإلا عاد ومضى في سبيله - أما بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي أشدُّ حرمة وأعظمُ قداسة وطهرا وأجدر أن تحاط بالتكريم والإجلال والمهابة أكثر من غيرها من البيوت - وهذا هو قوله سبحانه وتعالى مخاطبا المؤمنين: {لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ} {غير} ، منصوب على الحال من واو الجماعة في قوله {تَدْخُلُوا} 80 و {إِنَاهُ} ، يعني وقت نضجه وإدراكه - وفعله أنى يأني، بوزن رمى يرمي، نقول: انتظرنا إنى الطعام أي إدراكه - ويقال: أنى الطعام أنىً وإني - وأنى الحميم أي انتهى حره، ومنه قوله: {حميم آن} 81

والمعنى: لا تدخلوا بيوت النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يأذن لكم في الدخول أو يطعمكم طعاما حاضرا لا تنتظرون نضجه ولا ترتقبون حضوره فيطول بذلك مقامكم في بيت النبي صلى الله عليه وسلم فيتأذى منكم.

قوله: {فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا} إذا نالوا حظهم من الطعام وجب عليهم الانتشار وهو الخروج من المنزل والتفرق - فإنه إذا تحقق المقصود وهو الإطعام لم يبق بعد ذلك أيما سبب للبقاء أو المكث وبذلك لزم الخروج والتفرق.

قوله: {وَلاَ مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ} معطوف على قوله: {غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ} أي لا تمكثوا في البيت مستأنسين بالحديث كما فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في وليمة زينب.

قوله: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ} المكث في البيت أو طول البقاء فيه من غير حاجة فيه إذاية لصاحب البيت - والإذاية أو الأذيّة كل ما تكرهه النفس مما فيه إساءة أو ضيق أو حرج - وذلك محرم على المسلمين فيما بينهم - فلا جرم أن تكون الإذاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبلغ في التحريم.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء - فطبعه وجبلَّتهُ الحياء وهو يتأذى من طول مكثكم من غير حاجة إذا كان يستحيي أن يبين لكم ما به من ضيق.

قوله: {وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} أي لا يمتنع الله من بيان الحق وإظهاره.

قوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} روي عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأزل الله تعالى آية الحجاب 82، وهي قوله: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} اختلفوا في المراد بالمتاع هنا، فقيل: العارية من العواري - وقيل: الحاجة من الحاجات وقيل: الفتوى من الفتاوى - وقيل غير ذلك: والصواب أن المتاع عام في جميع ما يطلبه الناس من المواعين وسائر المرافق.

وذلك لأمر من الله للمسلمين إذا سألوا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الأشياء أو حاجة من الحاجات كفتوى أو استفسار عن مسألة، أن لا يخاطبوهن أو يسألوهن إلا من وراء ستار بينهم وبينهن - وكذلك نساء المسلمين فإنه لا مساغَ للمسلمين أن يسألوهن أو يخاطبوهن إلا من وراء ستار وأن لا يدخلوا عليهن بيوتهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت