فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 2536

مع أن القضية هينة وبالغة اليسر لو صلحت النوايا وصفت القلوب وانتظم التفكير انتظاما يباعد بينه وبين الثرثرة السخيفة والتصور الهابط اللئيم.

إن القضية واضحة ويسيرة لمن يبتغي الوضوح واليسر، وهي أساسها أن الجهات جميعا لله وهي جزء من ملكوت الله العظيم المطلق، وهو سبحانه يأمر بالتوجه مثلما يريد سواء كان ذلك صوب الكعبة أو الشام أو المشرق أو المغرب؛ فكل أولئك ملك لله الكبير المتعال؛ ولذلك جاء الرد وجيزا ومؤثرا وحاسما (قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ويشبه ذلك قوله سبحانه في آية أخرى سابقة تبين أن التقوى والخير والصلاح إنما يتحقق بالإيمان الصحيح المقترن بالعمل المشروع الصالح وليس بالمظاهر الشكلية التي يحددها التوجه نحو الشرق أو الغرب (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله - -.) .

قوله: (يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) يريد الله أن يهدي هذه الأمة إلى القبلة العظيمة قبلة إبراهيم عليه السلام لتكون القبلة المتبعة حتى آخر الزمان - والله جلت قدرته يهيء لعباده الصالحين من الأسباب ما ييسر لهم الاهتداء والمسير على الصراط المستقيم وهو الطريق الواضح الذي لا عوج فيه - وإذا فرط الناس في ما تهيأ لهم من أسباب الهداية كانوا من المفرطين الذين أوردوا أنفسهم موارد الخسران والهلاك.

نود أن نمر على بعض المسائل التي تنبثق عن هذه الآية لنناقشها من الوجهة الشرعية - منها: وقت تحويل القبلة بعد الهجرة إلى المدينة، أو حجم المدة التي توجه النبي والمسلمون خلالها نحو بيت المقدس بعد أن غادروا مكة إلى المدينة مهاجرين - فقد ذكر أن ذلك كان ستة عشر شهرا - وذلك ما أخرجه البخاري والدارقطني عن الباء قال: صلينا مع رسول الله (ص) بعد قدومه المدينة ستة عشر شهرا نحو بيت المقدس - وقيل سبعة عشر شهرا استنادا إلى ما ذكر من رواية أخرى.

ومنها: كيفية استقبال بيت المقدس فهل كان ذلك عن رأي واجتهاد من النبي (ص) أو أن ذلك بناء على أمر من الله ووحي؟ والذي عليه جمهور العلماء وفيهم ابن عباس أن استقبال النبي لبيت المقدس لدى مقدمه إلى المدينة كان بناء على أن وتوجيه من الله، ثم نسخ ذلك بوجوب استقبال الكعبة - ودليل قوله سبحانه: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) - وذلك الذي نميل إليه ونرجحه.

ومنها: حين فرضت الصلاة على النبي والمسلمين في مكة، هل كانت قبلتهم حينئذ الكعبة أم بيت المقدس - جاء في ذلك قولان - فقد ذهبت طائفة من العلماء إلى أن النبي والمسلمين كانوا يستقبلون وهم في مكة بيت المقدس، وظلوا كذلك حتى هاجروا إلى المدينة ومكثوا يستقبلونه سبعة عشر شهرا أخر إلى أن أمرهم الله بالتوجه صوب الكعبة.

وثمة قول آخر، وهو المعتمد والذي نرجحه، وهو أن قبلة المسلمين الأولى كانت الكعبة فقد أمروا- وهم بمكة- بالتوجه إلى الكعبة كأول قبلة حتى هاجروا إلى المدينة فصرفهم الله إلى الشام حيث بيت المقدس إذ صلى صوبه ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا على الخلاف عسى أن يكون في ذلك تطييبا لقلوب يهود واستمالة لمشاعرهم فيما قد يكون سببا في ترغيبهم في الإسلام - وبعد ذلك أمر النبي والمسلمون بالتوجه إلى الكعبة مرة أخرى.

ومنها: أن القبلة أول ما نسخ من القرآن وأنها نسخت مرتين، كذلك أجمع العلماء - أما المرتان اللتان وقع فيهما النسخ على القبلة فإحداهما نسخ التوجه إلى مكة؛ ليستقبل المسلمون بيت المقدس - وثانيتهما نسخ هذا الحكم ليستقبلوا الكعبة مرة أخرى 131.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت