قوله: {ولا هدي} الهدي، جمع ومفرده هدية بسكون الدال - وهي ما يهدى من الأنعام (الإبل والبقر والغنم) إلى بيت الله الحرام تقربا إلى الله - والمراد سوق الهدي إلى الحرم وذبحها فيه وعدم ترك ذلك - أي الهدي - لما فيه من تعظيم شعائر الله، وأن لا يتعرض أحد للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله.
قوله: {ولا قلائد} جمع قلادة، وهي ما يقلد به الهدي من عروة أو لحاء شجر أو غير ذلك لتكون علامة على كونه هديا - والمقصود أن لا تتركوا تقليد الهدي في أعناقها لتتميز بذلك عما سواها من الأنعام ليعلم الناس أنها هدي، أي مهداة إلى الكعبة فلا يمسها أحد بسوء ولا يمنعها من بلوغ محلها.
قوله: {ولا ءامين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} آموا البيت الحرام، هم قاصدوه من الحجاج والعمار وغيرهم - والمعنى: لا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام الذين يبتغون الفضل من الله بالتجارة في موسم الحج - لا ينبغي لكم أن تمنعوهم من ذلك، لأنهم إنما قصدوا البيت الحرام طلبا للرزق والمعاش وطلبا لرضوان الله والدار الآخرة وفي ظنهم، وإن كانوا لا ينالون ذلك.
على أن هذا الحكم منسوخ - وقد نسخه قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} وقوله: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر} وقوله: {واقتلوهم حيث وجدتموهم} وقد حكى الطبري الإجماع على أن المشرك يجوز قتله إذا لم يكن له أمان، وإن أم البيت الحرام أو بيت المقدس 9.
قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا} حللتم، أي فرغتم من إحرامكم - أحل في اللغة دخل في أشهر الحل - أو خرج من ميثاق كان عليه 10 والمعنى: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم من الصيد في حال الإحرام.
وثمة مسألة في هذا الصدد اختلف فيها علماء الأصول وهي: الأمر بعد الحظر ماذا يفيد؟ ثمة قولان في ذلك:
القول الأول: الأمر الوارد بعد الحظر يفيد الوجوب - وهو قول الحنفية وبعض الشافعية، وهو قول القاضي الباقلاني والمعتزلة، واختاره الرازي - واحتجوا لذلك بأن الإلزام هو مقتضى صيغة الأمر"افعل"عند الإمكان إلا أن يقع مانع والمقتضي للوجوب"صيغة الأمر"قائم وتقدم الحظر لا يصلح مانعا - ودليل ذلك قوله تعلى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين} فقتلهم هنا على الوجوب، لأن المراد الجهاد، واحتجوا أيضا بأمر الحائض والنفساء وبالصلاة والصوم وقد ورد بعد الحظر وهو للوجوب 11.
القول الثاني: لأمر الوارد بعد الحظر يفيد الإباحة - وهو قول أكثر الشافعية - وقال به الآمدي، واحتجوا لذلك من الكتاب الحكيم بقوله تعالى: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض} فقد كان الانتشار محظورا ضرورة الالتزام بتلبية الدعوة بالدخول للصلاة ثم أمرهم بعد ذلك بالانتشار - وكذلك قوله تعالى: {فإذا طمعتم فانتشروا} ونظير ذلك قوله تعالى هنا: {إذا حللتم فاصطادوا} ومقتضاه أن الأمر بالاصطياد بعد الحظر على الإباحة.
وثمة قول ثالث في المسألة وهو أن الحكم هنا يرد إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبا رده واجبا، وإن كان مستحبا فمستحب، أو مباحا فمباح 12.
قوله: {ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوركم عن المسجد الحرام أن تعتدوا}