لا يجرمنكم، أي لا يحملنكم، وهو يتعدى إلى مفعولين - وتقديره: لا يكسبنكم بغض قوم أن تعتدوا - ومنه أجرم واجترم أي كسب واكتسب - وجريمة أهله أو القوم أي كاسبهم - والجارم بمعنى الكاسب - ولا جرم أي لا بد أو حقا أو لا محالة - ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم، فلذلك يجاب عنه باللام فيقال: لا جرم لآتينك 13.
والشنآن، معناه البغض - شنئت الرجل أشنؤه شنأ وشنأة وشنآنا، إذا أبغضته - والمعنى: لا يحملنكم أو يكسبنكم بغض قوم بصدهم إياكم أن تعتدوا عليهم بصدهم - وذلك لما صد الكافرون المسلمين عن البيت عام الحديبية ثم مر بهم ناس من المشركين يريدون العمرة، فقال المسلمون: نصدهم كما صدنا أصحابهم فنزلت هذه الآية - ومقتضاها أن لا تعتدوا على هؤلاء ولا تصدوهم لأن صدوكم.
وقوله: {أن تعتدوا} في محل نصب مفعول به ثان - والأول كاف المخاطب - والتقدير: لا يجرمنكم بغض قوم الاعتداء 14 أي لا يحملنكم بغضهم على الاعتداء عليهم بصدهم عن البيت والانتقام منهم بإلحاق المكروه بهم.
قوله: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} البر هو فعل الخيرات - والتقوى هو ترك المنكرات - وقيل البر يتناول الواجب والمندوب - والتقوى رعاية الواجب - وقيل: البر والتقوى بمعنى واحد - وإنما كرر باختلاف اللفظ على سبيل التأكيد والمبالغة.
والإثم، معناه الحكم الذي يترتب على الجرائم - والعدوان هو ظلم الناس - وقيل: الإثم والعدوان بمعنى الانتقام والتشفي.
والمعنى أن الله يأمر عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وعلى ترك المنكرات، وينهاهم عن التناصر أو المعاونة على فعل المحارم والمآثم وكل صور الباطل من ظلم ومجاوزة وعدوان 15 وفي جملة ذلك كله أخرج الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"انصر أخاك ظالما أو مظلوما"قيل: يا رسول الله هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال:"تحجزه وتمنعه من الظلم فذاك نصره".
وأخرج أحمد أيضا عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسيلم قال:"المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وروى البزار عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"الدال على الخير كفاعله"وله شاهد في الصحيح وهو قوله:"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا"
وروى الطبراني عن ثمران بن صخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام".
قوله:"واتقوا الله إن الله شديد العقاب"يأمر الله عباده أن يتقوه، وذلك بفعل الطاعات ومجانبة المحظورات، فالله عقابه أليم شديد لا يطيقه أحد - وفي ذلك من التهديد والوعيد ما فيه مزدجر.