وروى ابن ماجه أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"مدمن الخمر كعابد وثن".
وكذلك روى ابن ماجه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومبتاعها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وشاربها وساقيها".
ماهية الخمر
ثمة تفصيل للعلماء في ماهية الخمرة التي حرمتها الشريعة بل أوجبت في حق شاربها الحد - والخمر هو العصير من العنب وغيره من الأشربة إذا طبخ واشتد وقذف زبده لصيرورته مسكرًا.
على أن المجمع علي تحريمه هو عصير العنب إذا اشتد وقذف زبده، فهو حرام قليله وكثيره - أما ما عداه من الأشربة المسكرة فهو كذلك محرم عند أكثر العلماء سواء ما كان منه قليلًا أو كثيرًا، مصنوعًا من العنب أو غيره من سائر العصارات، فمادام فيه علة الإسكار فهو حرام - وقد روي تحريم ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عمر وأبي هريرة وسعد بن أبي وقاص، وعائشة وأنس رضي الله عنهم - وقال به عطاء وطاووس وقتادة وعمر بن عبد العزيز - وهو قول الجمهور من المذاهب الفقهية - إذ قالت المالكية والشافعية والحنبلية والظاهرية وغيرهم من أهل العلم (195) واحتجوا بأدلة كثيرة منها قوله تعالى: إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ واسم الخمر في هذه الآية يدل بعمومه على كل مسكر كيفما كان أصله، ما قل منه أو كثر، فهو حرام منهي عنه ومأمور باجتنابه؛ لأنه رجس من عمل الشيطان.
واحتجوا من السنة بجملة أخبار منها ما أخرجه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"كل مسكر خمر وكل خمر حرام"ولفظ كل من ألفاظ الاستغراق، لتشمل بذلك كل أصناف الأشربة المسكرة.
وأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليله حرام".
وأخرج ابن ماجه أيضًا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما أسكر كثيره فقليله حرام".
وأخرج مسلم عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شراب يشربه أهل اليمن من الذرة يقال له"المزر"فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أو مسكر هو؟"قال: نعم - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر حرام إن على الله عز وجل عهدًا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال"قالوا: وما طينة الخبال؟ قال:"عرق أهل النار أو عصارة أهل النار".
وأخرج مسلم أيضًا عن أبي موسى الأشعري قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن فقلت: يا رسول الله إن شرابًا يصنع بأرضنا (اليمن) يقال له المزر من الشعير وشراب يقال له البتع من العسل فقال:"كل مسكر حرام".
إلى غير ذلك من الأخبار والآثار مما يدل على تحريم كل شراب مسكر ما قل منه أو كثر سواء كان مصنوعًا من العنب أو غيره.
قول الحنفية في المسألة
لا يختلف علماء المذهب الحنفي عن غيرهم في تحريم كل مسكر من العنب ما قل منه أو كثر - لكنهم يخالفون جماهير العلماء في تحريم الأشربة أو العصارات من غير العنب، إذ قالوا (الحنفية) : ما كان من عصارات من غير العنب لا يحرم إلا إذا أسكر فإن أسكر بات حرامًا - وبذلك فإن الأشربة من الحنطة والذرة والشعير وغير ذلك مما سوى العنب فهو كله حلال إلا ما بلغ السكر - واحتجوا بعدة أخبار أو آثار - منها ما أخرجه أبو حنيفة في مسنده عن ابن عباس قال:"حرمت الخمر قليلها وكثيرها وما بلغ السكر من كل شراب".