وكذلك قد جعل الله السماء للناس بناء كأنما هي مظلة، وهي مظلة ممتدة وكبيرة وغير محدودة قد صيرها الله على هذه الصورة الهائلة من البناء المرفوع الذي تتكاثف فيه الخلائق والأجرام في غاية من التوازن الدقيق والإحكام المنظم المضبوط.
بناء سماوي رفيع لا تدرك منه الأبصار والعقول إلا قليلا مما تحقق بأسباب شتى من النظر والرصد والعلم، وما في السماء من حقائق ومخبوءات لهو كثير لا يقف الإنسان إلا على جزء يسير منه كلما امتد به الزمان وتعاظمت له أسباب البحث والاكتشاف يقول سبحانه في ذلك: (الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء (والفعل جعل يأخذ مفعولين وهو يعني صير من الصيرورة ويأتي على معان أخرى ترد في موضعها.
وقوله: (وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم (السماء اسم مذكر ومؤنث وجمعه سماوات وأسمية، وهو يطلق على كل ما علاك فأظلك ويقال لسقف البيت سماء، وكذلك فإن السماء تسمى المطر فيقال: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، وأصل السماء من السمو وهو الارتقاء والعلو، نقول سموت وسميت أي علوت وعليت، ونقول فلان لا يسامى وقد علا من ساماه.
فقد أنزل الله المطر من السماء العالية المرتفعة بعد أن كان (المطر) حبات من الماء المنتشر المحمول عبر درات الهواء حتى إذا علا ذلك وتسامى فوق الأرض لامس أجواء باردة فتقاطر الماء من خلاله ليؤوب الى الأرض منهمرا تستقي منه الخلائق من بشر وزروع وأنعام، ثم تنبت به الأرض من خيراتها وثمراتها بما يقتات به الناس ويرتزقون أو ما يستمتعون به ويستطيبون.
وحول هذه العملية الربانية العجيبة في إنزال المطر بدءا بتصريف الرياح الموقرة بحبات الماء المتبخر، وانتهاء بالنزول الهاطل المنهمر يقول سبحانه: (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله، فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمسلمين فانظر إلى ءاثر رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير) .
قوله: (فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (الأنداد، مفردها ند وهو يرادف النديد الذي يستعمل للمبالغة، والأنداد بمعنى الأكفاء والنظراء والأمثال.
فالند أو النديد معناه الكفء أو النظير أو المثيل، وقيل: الأنداد تعني الأضداد، وأصل الكلمة من الفعل ند ندودا أو ندادا، نقول ند البعير أي نفر وذهب على وجهه شاردا، وفي قراءة بعضهم لقوله تعالى: (يوم التناد (أي يوم الشرود والهرب في جموح، ومنه التنديد من الفعل ندد أي أظهر العيب في تشهير وافتضاح والله سبحانه يحذر الناس أن يتخذوا من دونه شركاء عدلاء يجعلون لهم من الحظ في الخوف والتقديس والانقياد مثلما يجعلونه لله سبحانه، وذلك هو الإشراك المستشبع الذي تدنو دونه كل خطيئة أو محظور، على أن الإشراك ضروب شتى تورد الإنسان المشرك موارد الكفران الذي يفضي إلى غضب الله والنار - كأن يتجه الإنسان بحسه وهواه صوب آلهة مصطنعة لا تملك شيئا من ضر أو نفع، ولا تملك أن تغير من مقادير الله أدنى تغيير، ولكنه الوهم الفاسد المريب الذي يمس طبائع جانفة مريضة فيزين لها أن تتثبت بهذه الآلهة المختلفة الموهومة.