فهرس الكتاب

الصفحة 298 من 2536

ومن أحسن ما قيل في هذا الصدد: المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه - والمتشابهات لكهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد.

قال القرطبي في ذلك: المحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال 16.

قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) الزيغ معناه الميل عن الحق - زاغ البصر إذا كلّ، وزاغت الشمس، أي مالت - وذلك إذا فاء الفيء 17 - ومنه قوله تعالى: (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم) والذين في قلوبهم زيغ، أي انحراف عن القصد، وميل عن الحق، وجنوح مريض نحو الباطل بدلا من السبيل المستقيم - هؤلاء المائلون عن جادة الصواب، الجانحون صوب الباطل من أولي الطبائع الضالة والقلوب المريضة يستنكفون عن اتباع الآيات المحكمات الواضحات التي يعوّل عليها في إدراك هذا الدين عقيدة وشريعة، لكنهم تستخفهم قلوبهم الزائغة لاتباع ما تشابه من الكتاب الحكيم - فهم إنما يتمسكون بالمتشابه من الآيات؛ لما يمكنهم من تحريفه إلى مقاصدهم الفاسدة؛ نظرا لاحتمال لفظه ما يديرون عليه من تأويل مريب.

أما المحكم فلاحظ لهم فيه؛ لوضوحه وبيانه فهو دافع لمقاصدهم وحجة عليهم - وهذا الصنف الجانح من الناس إنما يصطنع مثل هذا التأويل (ابتغاء الفتنة) أي طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام - وذلك ديدان التائهين المضللين من العباد الذين لا يستمرئون غير طريق الضلال والفساد ولا يستطيبون غير ظواهر المرض والعمه تغشى المجتمع فتطيح به إطاحة أو تنسفه من القواعد نسفا ليظل أشباها من الناس التائهين الشاطحين الحائرين - وأمثال هؤلاء المفسدين المضلين كثير في أوساط المسلمين، بل إن تاريخهم طويل ومرير في زعزعة العقيدة الإسلامية وتشويه العلوم الإسلامية وإشاعة الريبة والفتن بين فئات المسلمين كالزنادقة على اختلاف مقولاتهم وإفرازاتهم الضالة المضلة - ومن جملتهم القرامطة والحشاشون والسبئية والنصيرية (العلويون) والبهائية والقاديانية والدروز - وكذا المجسمة والمشبهة والمعطلة، إلى غير هؤلاء من أصحاب الملل والنحل الضالة الفاسدة - كل أولئك من حيث الضلال والانحراف والزيغ في جانب، والجماعة المؤمنة المستقيمة في جانب آخر مميز - وهؤلاء هم أهل السنة الذين لا يتبعون ما تشابه من القرآن وإنما يتبعون آيات المحكمات فهم دوما على جادة الصواب - وفي وسط المحجة اللاحبة البيضاء سائرون ماضون إلى أن يلقوا الله على هذه الحال من الاستقامة والإخبات.

وعلى هذا فإن هذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة متبع لما تشابه من القرآن، وإن كانت الإشارة بهذه الآية في ذلك الوقت إلى نصارى نجران الين حاوروا النبي صلى الله عليه و سلم في قصة عيسى المسيح وجادلوه في ذلك بغير حق متبعين لما تشابه من آيات الكتاب الحكيم في هذه المسألة 18.

وقوله: (وابتغاء تأويله) التأويل هو التفسير ما يؤول إليه الشيء - وقد أوله تأويلا وتأوله أي دبره وقدره وفسره 19.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت