فهرس الكتاب

الصفحة 290 من 2536

وإن كانت المشقة غير محتملة أو لا يطيقها الإنسان فقد بات المرء فير مكلف بها استنادا إلى قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) - إن هذه الحقيقة من التيسير والتسهيل ورفع الحرج تتخلل كل جوانب هذا الدين الميسور - سواء في ذلك العقيدة بكل أركانها وأفرعها والأحكام من معاملات وجنايات وسلوك، كل أولئك قد قرره الإسلام ليجيء منسجما مع طبيعة الإنسان وطاقته واقتداره - يدل على ذلك تشريع الإسلام للرخص في كل مناحي الشريعة لتكون للمسلمين مناصا ينفذون منه إلى حومة اليسر كلما حاق بهم ضيق أو حرج يصعب تجاوزه إلا بإعنات بالغ.

وقوله: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت) كسب واكتسب بمعنى واحد وهو التصرف سواء في ذلك عمل الخير أو الشر، وعلى ذلك فالنفس لها ما أصابت من الخير وعليها ما أصابت من الشر من وجوه المحرمات والمحظورات - على أن اللفظين وهما الكسب والاكتساب من حيث المعنى والمدلول لا يفترقان، لكن التكرار المتجانس هنا يراد منه التنويع في التصريف مراعاة لحسن الكلام وجودته بما يروق للنفس وهي تتملاه، كشأن القرآن في هذه المسألة.

وقوله (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا) ذلك تعليم من الله لعباده المؤمنين أن يدعوه بمثل هذا الدعاء وهو طلبهم إليه متوسلين ألا يؤاخذهم على النسيان والخطأ - ونفي المؤاخذة من الله في نسيان العبد وخطئه تعني رفع الإثم عنه في هذين الأمرين - وبذلك فإن العبد غير مؤاخذ في حال نسيانه وحال خطئه - وتلك رحمة من الله يفيضها على العباد - وفي هذا الصدد روى الطبراني في الكبير عن ثوبان أن رسول الله (ص) قال:"رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".

وقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا)

الإصر في اللغة العهد - والمراد به هنا الذنب والثقل والضيق، وجمعه الآصار 362 - وذلكم ترشيد آخر من الله للمؤمنين ليدعوه بأن لا يكلفهم من الأفعال الشاقة الصعبة التي لا تطاق، وذلك كالذي أثقل به كواهل الأمم السالفة من التكليف القاهر العسير.

ومن قواعد هذا الدين أنه قائم على الحنيفية والتيسير، وأنه ينفي الضيق والحرج والتعسير كما بيناه نفا؛ لأنه دين الفطرة الإنسانية، والذي يتلاءم وطبيعة الإنسان في غير ما إعنات أو إحراج - يقول الرسول (ص) في ذلك:"الدين يسر فيسروا ولا تعسروا"ويقول عليه الصلاة والسلام:"بُعثت بالحنيفية السمحة"

وقوله: (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) وهو ترشيد ثالث للمؤمنين ليدعوا الله ألا يكلفهم من الواجبات والأعمال ما لا يطيقون - وقد استجاب الله لهذه الأمة دعاءها إذ أسقط عنها إثم النسيان والخطأ، ولم يحملها من الآصار وثقيل التكاليف ما لا يطيقون كالذي أثقل به كواهل الأمم السالفة، وبذلك قد أذهب عنها وطأة التكليف بما لا طاقة للإنسان به.

وأخيرا أفاض الله على المؤمنين بكريم العطاء وجزيل الخير إذا منّ عليهم بالعفو أولا وذلك عن الذنوب التي يقترفها العباد في حق الله، ثم منّ عليهم بالغفر أي الستر فقد ستر الله للمؤمنين ذنوبهم التي اقترفوها في حق العباد.

وفوق ذلك كله تأتي الرحمة من الله يفيضها على عباده المؤمنين ليكونوا دائما في كلاءته وهم تحف بهم أجنحة الرحمة في حلهم وترحالهم وفي حياتهم الدنيوية هذه وما يتخللها من الأفعال والأقوال - وفي يقول سبحانه: (واعف عنا واغفر لنا وارحمنا) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت