ومما يتبع ذلك من مسائل أن من أصبح جنبا في رمضان فلا حرج عليه - وعليه أن يغتسل نهارا - فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة- رضي الله عنهما- أنهما قالتا: كان رسول الله (ص) يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم.
وأما الحائض أو النفساء فليس لها أن تصوم، بل إن إفطارها واجب حتى وإن جاءها المخاض أو الحيضة قبيل الغروب بزمن قصير، وعليها القضاء بعدة أيام أخر خارج شهر رمضان، أما الصلاة فلا قضاء فيها تخفيفا من الله ورحمة، فلا تقضي المرأة الحائض ولا النفساء ما فاتها من صلوات بسبب الحيض أو النفاس 230.
وفيما يتعلق بالنية فإن تبييتها في الصوم من قبل الفجر واجب؛ ذلك أن الصيام ضرب من العبادة التي لا تتم إلا بالنية - وهي غير النية ليست إلا عملا من الأعمال العادية التي لا يَصدق عليها اسم العبادة المراد بها وجه الله - فقد روى الدارقطني عن السيدة عائشة عن النبي (ص) قال:"من لم يبيت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له".
وروى الدارقطني عن حفصة أن النبي (ص) قال:"من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له"ذلك الذي ذهب إليه جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة إذ قال: لا يشترط تبييت النية قبل الفجر - وقول الجمهور هو الراجح والمعتمد 231.
وقوله: (ثم أتمموا الصيام إلى الليل) فرض على الصائم أن يظل ممسكا عن الجماع وعن كل ما يلج الجوف طيلة النهار حتى تغرب الشمس، وبذلك فمجال الصيام من حيث الزمن ما بين الفجر والغروب، فإذا غربت الشمس أفطر الصائم ولا مساغ حينئذ للتأخير - وقد جاء في الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله (ص) :"إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم".
والحكم بإتمام الصيام إلى الليل يستلزم الحديث عن الوصال في الصيام - وهو أن يصل الصائم يوما بيوم يليه من غير أن يأكل أو يشرب بينهما شيئا، وذلك أمر منهي عنه شرعا؛ لما فيها من ضرر يلحق بصحة البدن أو احتمال الهلاك من طول الإمساك عما يسد الرمق.
وقد جاء في الحديث مما رواه أحمد عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله (ص) :"لا تواصلوا"قالوا:"يا رسول الله! إنك تواصل، قال:"فإني ليست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني"قال: فلم ينتهوا عن الوصال فواصل بهم النبي (ص) يومين وليلتين ثم رأوا الهلال فقال:"لو تأخر الهلال لزدتكم"كالمنكل لهم."
وعن عائشة رضي الله عنهما قالت: نهى رسول الله (ص) عن الوصال رحمة لهم فقالوا: إنك تواصل - قال:"إني لست كهيئتكم إني يطعمني ربي ويسقيني"وبذلك فإن وصال النبي (ص) في الصيام كان من خصوصياته وهو مقتدر على ذلك ومعان عليه، أما إطعامه عليه السلام وسقيه فما كان حقيقيا حسيا وإنما كان معنويا روحيا.
ولا نستطيع في هذا المجال من التفسير أن نفيض من الأحكام والمسائل الفقهية بأكثر من ذلك - وعلى المستزيد أني عود لذلك في مظانة من كتب الفقه على اختلاف مذاهبه.
وقوله: (ولا تبشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) (وأنتم) ، الواو للحال - أنتم في محل رفع مبدأ - (عاكفون) خبر مرفوع - والجملة الإسمية في محل نصب للحال - وعاكفون من الاسم الاعتكاف وهو لغة الاحتباس والملازمة، ومنه الفعل عكف يعكف - عكف على الشيء الاعتكاف وهو لغة الاحتباس والملازمة، ومنه الفعل عكف يعكف - عكف على الشيء بمعنى أقبل عليه مواضبا 232 يقول الله سبحانه في آية أخرى: (يعطفون على أصنام لهم) .
والاعتكاف في الشرع هو كما عرفه القرطبي في تفسيره: ملازمة طاعة مخصوصة في وقت مخصوص على شرط مخصوص في موضع مخصوص.