وهنا يرد الكلام عن أكلة السحور وهو ما كان قبيل الفجر بزمن قصير - والسحور مستحب شرعا للمؤمن، فقد ندب إليه النبي (ص) ؛ لما فيه من تقوية للبدن على الإمساك طوال النهار، ولما فيه كذلك من صحوة في الليل ترافقها صحوة للحس والقلب والذهن في فترة ساكنة هادئة من الليل - وهي فترة تحلو فيها اليقظة وتنبعث فيها النفس ناشطة بعد رقاد، إنها فترة السحر الوادع الذي تجد فيه الروح وأشواقها، فتفيض على الحياة والواقع بنسائم الأمن والراحة والإحساس بالطمأنينة الكاملة والحبور الغامر، هي فترى السحور التي يسن فيها الأكل شرعا؛ لما فيها من بركة، فهي بركة الطعام الذي يغدو البدن بطاقة الاقتدار والاحتمال، وبركة اليقظة التي تفيق فيها الروح بعد سهادٍ راقد لتعيش فترة وجيزة من الزمن حافلة بالرضا والسكينة.
وفي السحور يقول النبي (ص) في رواية الصحيحين عن أنس:"تسحروا فإن في السحور بركة"- وروى مسلم عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله (ص) :"إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور".
وفي حديث آخر لأبي سعيد قال: قال رسول الله (ص) :"السحور أكله بركة فلا تدعوه، ولو أن أحدكم تجرع جرعة من ماء فإن الله وملائكته يصلون على المتسرحين".
ويستحب للمتسحرين تأخير السحور إلى قبيل الفجر بمدة وجيزة من الزمن مقدرة بتلاوة خمسين آية القرآن - فقد جاء في الصحيحين عن أنس بن مالك عن زيد بن ثابت قال: تسحرنا مع رسول الله (ص) ثم قمنا إلى الصلاة - قال أنس: قلت ليزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال قدر خمسين آية.
وفي حديث للإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله (ص) :"لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الإفطار وأخروا السحور".
وجدير بالبيان هنا أن الفجر فجران - أولهما: ما كان ضياء ساطعا على هيئة بياض مستطيل في الأفق لا يلبث أن يزول لتعقبه ظلمة.
وثانيهما: ما جاء عقيب الفجر الأول وكان ضوءه منتشرا، وهو إيذان بطلوع النهار - ومن أجل ذلك ينادي المؤذن بأذانين.
والأذان الأول منهما إنما هو لإيقاظ النائم وتذكير الساهي وإرجاع القائم - أما الثاني فهو الفجر المقصود الذي يجب معه الإمساك - يقول الرسول (ص) :"الفجر فجران، فالذي كأنه ذنب السرحان لا يحرم شيئا، وإنما هو المستطير الذي يأخذ الأفق فإنه يُحل الصلاة ويُحرم الطعام."
وقد ورد في الصحيحين عن عائشة أن رسول الله (ص) قال:"لا يمنعكم أذان بلال عن سحوركم؛ فإنه ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابن أم مكتوم؛ فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر".
وعنه (ص) قال:"لا يمنعن أحدكم أذان بلال عن سحوره- أو قال نداء- بلال؛ فإن بلالا يؤذن بليل أو قال: ينادي لينبه نائمكم وليرجع قائمكم".
وفيما رواه مسلم عن إسماعيل بن إبراهيم أن رسول الله (ص) قال:"لا يغرنكم أذات بلال ولا هذا البياض لعمود الصبح حتى يستطير"وفي رواية أخرى عنه (ص) :"ليس الفجر المستطيل في الأفق ولكنه المعترض الأحمر".
يؤخذ من هذه الأدلة أن ما تعورف عليه من أذان الإمساك في هذه الأيام والذي يسبق أذان الفجر لا يَصْدق عليه هذا الاسم - فإن أذان الإمساك في هذه الأيام هو في حقيقته مرادف لأذان بلال عندما كان يؤذن بليل لإيقاظ النائم وتحذير الساهي وإرجاع القائم - فإنه بعد هذا الأذان لا ينبغي الإمساك عن طعام أو شراب أو جماع، بل إن ذلك كله مباح حتى يحين وقت الأذان الثاني وهو أذان الفجر الذي يسبق طلوع النهار.