فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 2536

وفي رواية أخرى عن ابن عباس قال: إن الناس كانوا من قبل أن ينزل في الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فإذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتي أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخطاب بعدما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء إلى النبي (ص) ، فقال: أشكوا إلى الله وإليك الذي صنعت - قال:"وما صنعت"قال: إني سولت لي نفسي فوقعت على أهلي بعدما نمت وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبي (ص) قال:"ما كدت خلقا أن تفعل"فنزل قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) والرفث هو معناه الجماع - فقد رخص الله للمسلمين في هذه الآية الأكل والشرب والجماع طيلة الليل بدءا بالمغرب حتى مطلع الفجر 229.

وقوله: (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) (هن) ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ (لباس) خبر - ذلك تعبير رباني كريم غاية في التصوير الموحي الذي يعبر عن امتزاج الجسدين امتزاجا مباشرا، كأنما الواحد منهما لباس يلتصق به الآخر ويستتر به - وهو التصادق مادي ومعنوي وثيق يكشف عن عمق المودة والانسجام والتلاحم بين الزوجين.

وقوله: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم) (تختانون أنفسكم) أي تخونون أنفسكم بإيقاعها في المحظور وهو الجماع بعد صلاة العشاء أو بعد النوم قبيل العشاء في رمضان - وتلك خيانة من المسلم لنفسه؛ إذ يوقعها في ما حرمه الله - وهي خيانة للنفس أساسها طبيعة الضعف في هذه النفس؛ إذ يوقعها في ما حرمه الله - وهي خيانة للنفس أساسها طبيعة الضعف في هذه النفس التي تجنح للشهوة الغلابة، وتضيق بما يصدها عن ممارسة ذلك، فلا يتيح لها من فرص الإشباع بما فيه الكفاية لكن جل وعلا امتن بالتوبة والعفو عن عباده الذين اختانوا أنفسهم، ورخص لهم بالجماع بعد العشاء وكذلك الأكل والشرب.

قوله: (فالآن بشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم) المراد بالمباشرة الجماع

فقد أباح الله لعباده المواقعة في الليل من رمضان ما بين الغروب والفجر، وأن يطلبوا ما كتب الله لهم والمراد به الولد المتحصل بعد الجماع - وقيل: المقصود بما كتب الله لهم ما أباحه لهم من الجماع في الليل من رمضان - وقيل غير ذلك.

وقوله: (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) أباح الله للمسلم التمتع بالأكل والشرب طيلة الليل إلى أن يستبين له بياض النهار من سواد الليل - وجاء التعبير في الآية عن ذلك بالخيط الأبيض والخيط الأسود - ولا ينبغي أن يفهم النص على ظاهره فيوعى وعيا حرفيا كما وعاه بعض الناس إذ وهموا أن المراد بالخيط هو الحبل الدقيق المعروف؛ بل إن المقصود بالخيط الأبيض بياض النهار إذا انفجر ولاح ضوءه في الأفق - وأما الخيط الأسود فهو سواد الليل يغشى السماء - ومما يزيل اللبس والإبهام هنا قوله: (من الفجر) فذلك تبيين للمقصود من الخيط الأبيض والخيط الأسود - فليس المقصود من ذلك الحبل الدقيق كالعقال ونحوه وإنما النهار بضيائه والليل بسواده هما المقصودان.

فقد حدث الإمام أحمد بإسناده عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين أحدهما أسود والأخر أبيض فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله (ص) فأخبرته بالذي صنعت فقال:"إن وسادك إذا لعريض، إنما ذلك بياض النهار من سواد الليل"وبذلك فإنه مباح للمسلم أن يأكل ويشرب ويواقع طيلة الليل حتى الفجر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت