والقاتل عمدا فيما إذا كانت له توبة أم لا، فثمة قولان في هذه المسألة - والقول الأول لجماعة منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وآخرون وهو أن الذي يقتل عمدا ليست له توبة أبدا وأنه خالد في النار - فقد ذكر عن ابن عباس قوله: نزلت هذه الآية (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم) وهي آخر ما نزل (في حكم القتل) وما نسخها شيء - وهو كذلك يذهب إلى أن عموم هذه الآية ينفي التوبة عن القاتل عمدا وهو مخصص لعموم قوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) الذي استند إليه المحتجون بإمكانية وقوع التوبة للقاتل عمدا - وقال ابن عباس كذلك أنه يمكن الجمع بين هاتين الآيتين على النحو التالي: التقدير هو: ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء إلا من قتل عمدا - أما القول الثاني فهو لجمهور أهل العلم وهو أن القاتل عمدا له توبة بدليل قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) وقوله سبحانه: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) واستندوا أيضا لظاهر قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات) ومن أوضح الأدلة على ذلك قوله النبي (ص) :"التائب من الذنب كمن لا ذنب له"وفي مجموع هذه الأدلة ما يرجح القول الثاني وهو أن القاتل العمد إذا تاب وأناب، وإذا أخلص التوبة في ندم شديد فإن الله جل وعلا يقبل التوبة وذلك الذي نميل إليه.
أما الخلود الوارد في الآية فأفضل التأويل فيه أن يطلق على غير التأييد وأن المقصود به طول المكث.
قوله: (ومن يقتل) اسم الشرط وفعله - وجواب الشرط في الجملة الاسمية من قوله تعالى: (فجزاؤه جهنم) والفاء مقترنة بجواب الشرط.
وخلاصة القول في صفة القتل العمد أنه ما استعملت فيه آلة وكان مثلها يقتل غالبا على أن يقترن ذلك بقصد القتل - يستوي في ذلك أن يكون القتل بالحديد كالسيف أو الخنجر أو الرمح أو السكّين مادام ذلك يقتل غالبا، أو أن يكون بالمثقل كالضرب بالحجر الكبير أو إخماد سقف ونحوه وهو من شانه أن يقتل، أو أن يكون القتل تحريقا بالنار أو تغريقا في الماء فذلك كله ضروب في القتل؛ لأن من شأنه أن يقتل في الغالب - وهذا هو القتل العمد الذي يستوجب القود إلا أن يعفو ولي القتيل مطلقا أو يعفوا على الدية فقط.
أما إذا وقع القتل بآلة لا تقتل في الغالب كالقذف بحجر صغير أو الضرب بعصا خفية أو العضة أو اللطمة ونحو ذلك فإن القتل في مثل هذه الأحوال يسمّى شبه عمد - وهو أن تجتمع النية لدى القاتل على ضرب القتيل ولكن بآلة لا تقتل غالبا كالمعلم يضرب تلميذه بعصا خفيفة ليؤدّبه ثم يموت فما كان المعلم يقصد بذلك القتل، وإن قصد أن يضرب تلميذه بالذات - وهذا النوع من القتل يأتي وسطا بين العمد والخطأ فلا هو بالعمد الذي يقع بآلة تقتل في الغالب مقترنا بالنية في قتل الشخص نفسه - وعلى هذا فشبه العمد هو ما كان القصد بضرب الشخص نفسه حاصلا إلا أن الآلة التي حصل بها القتل ليس من شأنها أن تقتل غالبا.
وهذا الصنف من القتل (شبه العمد) ذهب إليه كثير من أهل العلم منهم الشعبي والنخعي وقتادة والثوري والحنفية والشافعية وهو مروي عن عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب وقد أنكر ذلك جماعة آخرون منهم الإمام مالك والليث بن سعد - وقيل: إن ذلك قد روي عن جماعة من الصحابة والتابعين وقد نقل عن الإمام مالك قوله: ليس في كتاب الله إلا العمد والخطأ وأما شبه العمد فلا نعرفه - وذكر عن مالك والليث أن من قتل بما لا يقتل مثله غالبا كالعضة واللطمة وضربة السوط وشبه ذلك فإنه عمد وفيه القود (القصاص) .