فهرس الكتاب

الصفحة 526 من 2536

والراجح ما ذهب إليه الجمهور من أهل العلم وهو أن شبه العمد نوع من القتل متميز فلا هو بالعمد الذي يحققه قصد القتل أو النية المسبقة لذلك، مع الضرب الذي يقع على شخص معيّن مقصود بآلة تقتل غالبا - ولا هو بالخطأ الذي تحقق فيه النية في القتل بآلة تقتل غالبا لكن القتيل ما كان مقصودا للقاتل بل غيره هو الذي كان مقصودا - وحقيقة شبه العمد ليست على أحد من هذين النوعين من القتل فهو بذلك أخرى أن يأخذ من التسمية ما يجعله مستقلا وذلك من حيث الصورة التي يجيء عليها ومن حيث الحكم الذي يجعله له الشرع.

فقد أخرج أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله (ص) قال:"ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون في بطونها أولادها".

وروى الدارقطني عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال:"العمد قود اليد، والخطأ عقل لا قود فيه، ومن قتل في عمّية بحجر أو عصا أو سوط فهو دية مغلّظة في أسنان الإبل"والعمية بكسر العين وتشديد الميم المكسورة والياء المفتوحة - ومعناه أن يقع القتل في حال يعمى فيه أمر المقتول فلا يعرف قاتله ولا كيف قتل.

وروى الدارقطني أيضا بإسناده عن عمرو بن شعب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله (ص) :"عقل شبه العمد مغلّظ مثل قتل العمد ولا يقتل صاحبه".

تلك نصوص تحوي الدليل على صحة ما قاله الجمهور وهو قتل شبه العمد، وهو قتل يشبه كلا من الخطأ والعمد بعض الشبه ولكنه لا يستوي مع احدهما تمام الاستواء من حيث الصورة والحكم.

أما الذي يتلزم بدفع دية شبه العمد فموضع خلاف - فقد قيل إن الذي يلتزم بذلك هو القائل نفسه فتجب الدية عليه في ماله، وهو رأي بعض أهل العلم منهم ابن شبرمة وقتادة وأبو ثور - وثمة قول ثان وهو الراجح وهو مذهب الجمهور منهم الشعبي والنخعي والشافعي والثوري وأحمد بن حنبل والحنفية كلهم - فقد ذهب هؤلاء وغيرهم إلى أن دية القتل شبه العمد تجب على عاقلة القاتل وهم أولياؤه الورثة.

وفي تعزيز هذا الرأي وترجيحه ما رواه أبو هريرة عن النبي (ص) أنه جعل دية الجنين على عاقلة الضاربة - وذلك حديث المرأتين اللتين اقتتلتا فضربت إحداهما الأخرى بعمود فقتلتها ومن في بطنها فقضي النبي فيه غرة وجعلها على عاقلة المرأة وبذلك فإن الدية في قتل الخطأ والديه المغلظة في شبه العمد إنما تجب كل واحدة منهما في مال العاقلة - وذلك على سبيل العون وبذلك المساعدة للقاتل ما دامت فعلته لم تقترن بسوء النية أو القصد المبيت - وعلى هذا فإن النية من حيث وجودها وعدمه لهي الأساس الركين الذي تقوم عليه الأحكام والمقاييس الشرعية، وهي كذلك الأصل الذي تفترق به القضايا والمسائل لتأخذ أحكاما متفاوتة شتى.

والنية شأنها عظيم فإن ما يتميز الحرام من الحلال أو الخبيث من الطيّب مثلما يتميز الطيبون في مقارفات تساورها البراءة من قصد الأذى والبائقة، من الأشرار الذين تختلط قلوبهم بالشر المبيّت قبل الفعل أو القول - وليس للطيب عندئذ إلا أن تتحقق له المعاذير لينجو من عقاب الآخرة الشديد، لكن الخبيث الشرير هو الذي يوجب الشرع أن يحيق به عقاب ملائم في الآخرة جزاء ما قارفت يداه عن سوء في النية والمقصود - وأعظم ما يجيء في هذا الصدد من شواهد السنة الطاهرة هو حديث النبي (ص) :"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"136.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت