إذ تبين ذلك، فإنه رب سائل يسأل عن مثل هذا الاختصام على المال والغنيمة بين الرعيل الأول، أو الصفوة الأولى من المسلمين وهم الصحابة - ولا داعي للاستغراب أو العجب، وإذا تذكرنا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر من البشر وإن كانوا كراما عظاما مميزين في عطائهم وإخلاصهم وجزيل فضلهم وصنيعهم - فهم بشر تسري فهن طبائع الأناسي المخاليق - لا عجب ولا الحالة هذه أن تتجلى فيهم ظواهر الآدمية الأساسية كالرغبة في الامتلاك، والخصام من أجل تحصيله - ومثل هذه الظواهر والخصال الخليقة لا ينجو منها كائن عاقل إلا أن يكون مميزا بنبوة أو وحي، أو كان من جنس الملائكة النورانيين - أما غير هؤلاء من بن آدم؛ فإنهم قد جيء بهم على هذه الطبيعة ذات الاستعداد المزدوج من السمو في مدارج الكمال وجنوح النفس لأخذ بحظها من الدنيا كالمال ونحوه - ومع ذلك كله فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظيم فضلهم وروعة صنيعهم وهائل تضحياتهم وكامل إيثارهم يظلون الصفوة المفضلة التي تأتي في المقدمة من سلم البشرية.
وإذا ما قورنت بالصحابة بقية الناس من سائر البشر، كان البون بين الفريقين كالبون بين المشرقين - فلا مجال بعد ذلك لمتعثر أفاك أن يفتري الكذب والغمر على خير طائفة أقلتها هذه الأرض - لا جرم أن طائفة الصحابة نجوم الدنيا/ فيستضاء بنورهم وعلمهم طوال هذا الزمان بالرغم من افتراء الكاذبين والحاقدين والحاسدين.
أما الأنفال، فهي جمع نفل بالتحريك، ومعناه الغنية والهبة - والنفل: الزيادة على الواجب، وهو التطوع - والنافلة معناها الغنيمة والعطية 2 - ومعنى الآية: يسألك أصحابك يا محمد عن الغنائم التي اغتنمتها أنت وأصحابك يوم بدر لمن هي، فقل هي لله ولرسوله - أي أن حكمها مختص بالله ورسوله، فيأمر الله بقسمتها على ما تقتضيه حكمته - والرسول صلى الله عليه وسلم من جهته يمتثل أمر الله فيها - فليس الأمر في قسمتها مفوضا إلى رأي أحد منكم.
ولا ينبغي التساؤل في هذا الصدد -كما يتساءل كثير من خصوم الإسلام والمارقين- عن طبيعة المنطق الذي يجوز بمقتضاه اغتنام أموال الكافرين في الحرب - وجواب ذلك أن الكافرين أهل الفساد وباطل، وهم بكفرهم وتمردهم على منهج الله الحق، سادرون في غيهم وظلمهم في هذه الدنيا - وهم بأموالهم يتقوون على الإفساد وإشاعة الخراب والشر، ويزدادون به قدرة على الإيذاء والإضرار بالعباد؛ لأنهم عاتون ظالمون لا تأخذهم في البشرية رحمة ولا عدل ولا لين - فلزم بذلك أن يجردوا من الأسباب التي تمكنهم من إشاعة الفتن والمصائب والمخاوف والفوضى بين الشعوب - وأبزر سبب في هاتيك الأسباب، الأموال وهي سبيل التعزيز والتقوية للظالمين المفسدين في الأرض - وعلى هذا لا غرابة في تقدير المنطق السليم ان تنتزع أموال هؤلاء الذين يؤذون البشر ويعتدون على الناس بقوتهم وكل طاقاتهم العقلية والمادية، وفي طليعتها المال الذي يوطئ لهم سبيل الظلم والعدوان؛ فلا غضاضة بذلك في انتزاع هذه الوسيلة إذهابا لكيد الظالمين المعتدين، وإخمادا لمكرهم أن يمس العالمين.