وقوله: (ولا يأت الشهداء إذا ما دعوا) إذا ما نودي الشهداء لأداء شهاداتهم كان عليهم أن يلبوا النداء - والحكم الشرعي لأداء الشهادة موضع خلاف - إلا أننا نقف عل قولين في هذه المسألة نحسب أنهما خلاصة ما ورد في ذلك من أقوال.
أولهما: إن كان ثمة شهداء آخرون يستطيعون أن يؤدوا الشهادة عل وجهها الصحيح فإن الشهادة في حق الواحد بعينه أمر مندوب.
ثانيهما: إذا خيف من فوات الشهادة وضياع الحق وما يتبع ذلك من ضرر سيقع، فإن أداء الشهادة في حق المعطلين العارفين أمر واجب.
وقوله: (ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله) (تسأموا) مجزوم بحذف النون بلا الناهية - والمصدر من أن تكتبوه في محل نصب مفعول به - والهاء ضمير في محل نصب مفعول به للفعل تكتبون - (صغيرا) منصوب على الحال، كبيرا معطوف عل (صغيرا) - والفعل تسأموا أن يكتبوا مدايناتهم إل موعدها المحدد، سواء كانت قليلة أم كثيرة؛ لما في ذلك من صون لها وإبعاد عن تضييعها - لا جرم أن كتابة الدين والإشهاد عليه يحقق العدل للمتداينين - وذلكم (أقوم للشهداء) أي أثبت للشاهد، فهو إذا رأى خطه تذكر به الشهادة؛ إذ يحتمل أنه لو لم يكتبه لنسيه - وفي الكتابة ما يقرب الناس إل عدم الريبة والتردد؛ وما يفض النزاع بينهم والخصام - وذلك مقتض قوله تعالى: (ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدن لا ترتابوا) .
وقوله: (إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها) (إلا) أداة استثناء - والمصدر من أن والفعل في محل نصب مستثنى.
و (تجارة) خبر كان - (حاضرة) صفة لتجارة، والجملة الفعلية من (تديرونها) في محل نصب صفة ثانية لتجارة.
إذا كان البيع بالتقابض الحاضر أو يدا بيد، فليس من جناح (بأس) ألا يكون ثمة كتابة، بل يدفع البائع السلعة المبيعة للمشتري ليؤدي هذا الثمن حالا دون تأجيل أو نسيئة، فإن كان شيء من تأجيل أو كتابة ندبت الكتابة أو وجبت عل الخلاف.
وقوله: (وأشهدوا إذا تبايعتم) تلك دعوة كريمة للإشهاد على البيوع مهما كان حجم المبيعات، لكن الفقهاء اختلفوا في حكم الإشهاد عل المبايعات إل مذهبين.
أولهما: أن الإشهاد واجب استنادا إل ظاهر قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) وذهب إلى ذلك أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمر والضحاك وسعيد بن المسيب ومجاهد وداود بن علي الظاهري.
ثانيهما: أن الإشهاد مندوب وليس مفروضا وهو قول أكثر الفقهاء، منهم مالك والشافعي والحنفية - وقد حمل هؤلاء الطلب في الآية على الندب والاستحباب لا الحتم والإيجاب - واستدلوا كذلك بسنة النبي (ص) فقد كان عليه السلام يبيع دون أن يُشهد وقد اشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يُشهد أيضا - وذلك الذي نميل إليه؛ لما ورد من دليل - يضاف إليه أن إيجاب الإشهاد عل المبايعات مهما قلّت أو صغر حجمها وفي كل الأحوال والظروف يوقع الناس في حرج عظيم - ومعلوم أن الشريعة ميسورة وأنها في يسرها تأب الحرج؛ لقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) 353.
قوله: (ولا يضار كاتب ولا شهيد) (يضار) فعل مضارع مبني للمعلوم.
وأصله يضارر أدغمت الراء الأولى في الثانية فصار الفعل يضار.
(كاتب) فاعل مرفوع - (شهيد) معطوف على كاتب - وعل هذا الاعتبار فإن الكاتب والشهيد قد نُهي كل واحد منهما عن إيقاع الضرر - فليس للكتاب أن يضر وذلك بكتبه غير الصحيح - وليس للشهيد كذلك أن يضر بزيغه عن قول الحق.