وذهب آخرون وهم الحنفية ومالك والنخعي إلى أن العمرة سنة وليست واجبا مستدلين لذلك بما ذكر عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل رسول الله (ص) عن الصلاة والزكاة والحج: أواجب هو؟ قال:"نعم"فسأله عن العمرة: أواجبة هي؟ قال:"لا وأن تعتمر خير لك".
أما الآية فقد ردوا الاحتجاج بها على فرضية العمرة وقالوا أن الله سبحانه وتعالى إنما قرنها بوجوب الإتمام لا في الابتداء - أي أن الآية جاءت للإلزام بالإتمام لا للإلزام بالابتداء وهذا هو الراجح والله أعلم 251.
وقوله: (فإن حضرتم فما استيسر من الهدى) جاء في هذه الآية أنها نزلت عام الحديبية سنة ست عندما حيل بين النبي (ص) وبلوغ البيت الحرام لأداء العمرة.
فرخص الله للمسلمين يومئذ أن يذبحوا ما معهم من هدي وكان سبعين بدنة، وأن يحلقوا رؤوسهم، وأن يتحللوا من إحرامهم.
والإحصار لغة معناه المنع والحبس - حصره العدو أو المرض، وأحصره، بمعنى منعه أو حبسه 252 - والمحصر من حيل بينه وبين بلوغ البيت الحرام لسبب من عدو أو جور سلطان أو مرض.
لكن العلماء اختلفوا في تعيين حقيقة المانع الذي تكون به الرخصة للإحصار - وذلك على قولين - أولهما: أنه العدو خاصة وهو قول جماعة فيهم ابن عباس وابن عمر وأنس والشافعي فقد ذهب هؤلاء إلى أن الحصر يختص بالعدو فلا يتحلل من إحرامه إلا من حصره عدو وليس غيره.
وثانيهما: أن الحصر عام فهو يتناول كل سبب يمنع من الوصول إلى البيت سواء في ذلك العدو أو المرض أو الضلال في الطريق أو غير ذلك من أسباب - وهو ما ذهب إليه بعض السلف منهم ابن مسعود وابن الزبير وسعيد بن المسيّب وعروة بن الزبير ومجاهد وآخرون غيرهم - وهو ما نرجحه استنادا إلى عموم المدلول لمفهوم الإحصار الذي يتناول جملة العوائق أو الأعذار دون تخصيص - ولما روي عن الرسول (ص) قوله:"من كُسر أو وُجع أو عرج فقد حلّ وعليه حجة أخرى".
وعلى العموم فإن المحصر الذي منعه من بلوغ البيت مانع سواء كان عدوا أو غيره- يتحلل من إحرامه حيث أحصر ثم ينحر هديه ويحلق رأسه - وقيل: يبعث بهديه إلى الحرام إن أمكن ذلك - فإذا بلغ الهدي محلّه صار المحصر حلالا - أي تحلل من إحرامه بمجرد بلوغ الهدي محلّه 253.
وثمة خلاف آخر حول وجوب القضاء على من أحصر - فذهب مالك والشافعي إلى أن من أُحصر بعدو فلا قضاء عليه سواء في الحج أو العمرة، شريطة أن يكون قد حج الفريضة قبلها، أو اعتمر عند من أوجبها إيجابا، فإن حج أو اعتمر قبلها فما عليه من قضاء - وذهب أبو حنيفة إلى أن المحصور بمرض أو عدو عليه حج أو عمرة من قابل أو في وقت يزول فيه الإحصار 254.
وقوله: (فما استيسر من الهدي) ما اسم موصول في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف تقديره عليكم - والجملة الفعلية بعده صلة الموصول لا محل لها من الإعراب - وقيل ما في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره انحروا او اهدوا - والهدْي ما يُهدى إلى بيت الله من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم.
ومعنى الآية: انحروا مما كان في ميسوركم من بهيمة الأنعام سواء كان ذلك من الشياه أو الأبقار أو الإبل - وبذلك فإن الشاة مما استيسر من الهدي وأنها تجزئ - وذلك الذي عليه جمهور العلماء - وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة قالت: أهدي النبي (ص) مرة غنما.