الرابعة: مطلقة مدخول بها لكنها غير مفروض لها المهر، فإن لها مهر مثلما كاملا؛ لقوله تعالى في آية أخرى: (فما استمتعم به منهن فآتوهن أجورهن) - حتى إن الأئمة الثلاثة أبا حنيفة ومالك ابن حنبل ذهبوا إلى وجوب الصداق لها كاملا بمجردة الخلوة وإن لم يقع مسيس (جماع) .
وقوله: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة) أي لا حرج عليكم في طلاق نسائكم ما لم تمسوهن أي تجامعوهن - وما، هنا شرطية، أي إن لم تمسوهن أو تماسوهن، وقيل: مصدرية ظرفية، أي مدة عدم مسيسكم، وقيل: اسم موصول ومعناه اللواتي، فيكون المعنى: لا حرج ولا إثم عليكم إن طلّقتم النساء اللواتي لم تمسّوهن (تجامعوهن) ولم تسمّوا لهن صداقا، وعليكم في هذه الحالة أن تعطوهن متاعا أو متعة، وقد قدّرها بعضهم بالخادم يستأجره الرجل، وقيل: أدنى المتعة ما كانت ثلاثة أثواب وأوسطها ما كان خمارا وجلبابا وثوبا، وقيل غير ذلك - والمقصود بالمتعة أن يكون فيها التطيب لنفس المرأة المطلقة غير الممسوسة والتي لم يذكر لها صداق، وأن يكون فيها كذلك التعويض عما أصابها من صدمة الفراق بما تستعين به على العيش بحسب الوضع الذي عليه الرجل، وذلك هو المعنى لقوله تعالى: (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) والموسع هو ذو اليسار والسعة - وقدره أي وسعه - والمقتر هو المقلّ أو قليل المال - فكل منهما يؤتي المطلّقة غير المفروض لها الصداق وغير الممسوسة متاعا بحسب حاله من اليسار أو الإعسار كما ذكرنا آنفا.
أما المتعة من حيث الحكم الشرعي فهي موضع خلاف - فقد هب فريق من أهل العلم وفيهم عبد الله بن عمر، وعلي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، وغيرهم إلى أنها واجبة استنادا إلى ظاهر قوله تعالى: (ومتعوهن) وهو أمر يفيد الوجوب.
وذهب آخرون من العلماء إلى أن الأمر هنا للندب لا للوجوب استنادا إلى قوله: (حقا على المحسنين) ولم يقل على الجميع - والراجح عندي القول الأول؛ لما بينّا من استناد إلى مقتضى الأمر في الآية.
وأما المراد بالنساء في قوله: (ومتعوهن) فقد قيل: إنهن المطلّقات قبل الدخول وقبل فرض الصداق لها، فالمتعة لهن في هذه الحالة واجبة، أما في حق غيرهن فهي مندوبة - وهو ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر والحسن البصري والشافعي وأحمد والحنفية.
وذهب الإمام مالك وأصحابه إلى أن المتعة مندوب إليها في كل مطلقة سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول، باستثناء المطلقة غير الممسوسة والتي فرض لها الصداق، فإن لها نصفه ولا متعة لها، وأما المطلقة غير المدخول بها والتي لم يفرض لها صداق، فإنها لا شيء لها غير المتعة وهو ما أجمع عليه العلماء.
وقوله: (متاعا بالمعروف حقا على المحسنين) (متاعا) مفعول مطلق منصوب لفعل محذوف تقديره متّعوهن - والمعروف أي ما تعورف عليه وكان وسطا وهو الأمر يوافق ما عليه الشرع من دعوة للاقتصاد.
وقوله: (حقا) صفة للمفعول المطلق (متاعا) وهو ما استدل به العلماء على وجوب المتعة - نقول: حققت عليه الأمر أو أحققته أي أوجبته عليه إيجابا.