فهرس الكتاب

الصفحة 176 من 2536

وإذا أفطر المرء في رمضان لعلة من مرض ثم مات في مرضه أو كان مسافرا فمات أثناء السفر، فما من شيء عليه وتبرأ بذلك ذمته، وذلك قول الجمهور - وذهب آخرون إلى أن المريض يموت من مرضه في رمضان، فإنه يجب الإطعام عنه مقابل أيامه التي أفطر فيها.

وثمة خلاف في الذي يموت وعليه صوم من رمضان لم يقضه، فهل لأحد أن يصوم أو يطعن عنه؟ فقد ذهب مالك والشافعي والثوري إلى أنه ليس لأحد أن يصوم عن أحد - استنادا إلى قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وقوله سبحانه: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وكذلك ما روي عن النبي (ص) :"لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مُدًّا من حنطة".

وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثر والليث وأهل الظاهر إلى أنه يجوز أن يصام عنه، لكنهم خصصوا ذلك بالنذر - فإن كان قد نذر صوما ثم مات ولم يصم جاز أن يصام عنه، أما صوم رمضان فلا - وقد استدل هؤلاء على ذلك بما روي عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله! إن أمي قد ماتت وعليها صوم نذر - أفأصوم عنها؟ قال"أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدي ذلك عنها"قالت: نعم - قال:"فصومي عن أمك".

وثمة قول ثالث لآخرين أجازوا فيه أن يصام عنه بإطلاق، سواء كان ذلك في رمضان أو في النذر، احتجاجا بما روي عن الرسول (ص) :"من مات وعليه صيام صام عنه وليه".

وفي تقديرينا أن هذا الاحتجاج عام في الصوم كله إلا أنه مخصص بحديث النذر الذي رواه ابن عباس في المرأة التي جاءت تسأل النبي (ص) عن أمها التي ماتت وعليها صوم نذر - ويمكن القول كذلك أن حديث النذر مخصص؛ لعموم الحديث:"لا يصوم أحد عن أحد"أو أن هذا الحديث متعلق بصوم رمضان.

أما في الإطعام عن الذي مات ولم يصم فقد ذهب إلى جوازه أحمد وإسحاق استدلالا بقوله (ص) في الحديث السابق:"ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مدا من حنطة"206

وقوله تعالى: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) (وعلى الذين) في محل رفع خبر مقدم (يطيقونه) جملة فعلية تتألف من فعل وفاعل ومفعول به، وهي صلة الموصول لا محل لها من الإعراب وتعني يحتملونه أو يقدرون عليه - (فدية) مبتدأ مؤخر مرفوع (طعام) بدل من فدية (مسكين) مجرور على الإضافة.

وهذه الآية قد جاء في تفسيرها عدة أقوال مختلفة، لكننا نستخلص منها ما نراه أصوب وهو قول ابن عباس: نزلت هذه الآية رخصة للشيوخ والعجزة خاصة وذلك إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، أي يقدرون عليه دون أذية أو ضرر يقع عليهم، ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فزالت الرخصة عن هؤلاء الشيوخ والعجزة، إلا لمن عجز منهم عن الصوم إن كان معذورا - وعلى العموم فقد جاء في تفسير هذه الآية عدة أقوال مختلفة يمكن أن نوجزها في الأقوال الثلاثة التالية:

القول الأول: لما شُرع صيام رمضان شق ذلك على الناس، فصام فيهم من صام وأفطر من أفطر، فكان من أفطر أطعم عن كل يوم مسكينا بدل إفطاره - وكان قد رخص لهم في ذلك حتى نسخت هذه الآية بالآية بعدها: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) .

القول الثاني: وهو مروي عن ابن عباس، وهو أن هذه الآية نزلت رخصة للشيوخ والعجزة إذا أفطروا وهم يطيقون الصوم، ثم نسخت هذه الآية بقوله: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فزالت الرخصة بالإفطار بعد النسخ إلا لمن كان عاجزا لا يقوى على الصوم - وذلك القول المعتمد كما بينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت