وقوله: (أو على سفر) للعلماء في مسألة السفر اختلاف وتفصيل - مع أنهم أجمعوا على رخصة الإفطار في سفر الطاعات كالحج والجهاد وصلة الرحم وطلب الرزق للعيش، أما سفر المباحات كالتجارة والنكاح فهو موضع خلاف، لكن الراجح جواز الإفطار، وأما سفر المعصية كالسرقة وقطع الطريق والزنا فمختلف فيه كذلك مع أن الراجح عدم جواز الرخصة بالإفطار فيه.
أما مسافة السفر التي يباح فيها الإفطار فهي موضع خلاف كذلك - فقد ذكر عن الإمام مالك أنها يوم وليلة، وهي عند الشافعي مقدرة بيومين، وذكر عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس والثوري أنها ثلاثة أيام، وقيل غير ذلك 202.
هل يجوز للمسافر أن يبيت النية بالإفطار؟
اتفق العلماء على أنه ليس له أن يبيت النية بالفطر - وتوجيه ذلك أن المسافر لا يكون أصلا مسافرا بالنية، بل يكون مسافرا بالممارسة الفعلية وهي السفر نفسه، وذلك بخلاف المقيم فإنه تتحقق إقامته بمجرد النية ولا يفتقر ذلك إلى عمل - فالمقيم إذا نوى الإقامة كان مقيما في الحال.
أما الذي يأمل أن يكون مسافرا فإنه لا يجوز له أن يفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر، لكنه إن نهض للسفر فعلا بعد الأمل جاز له الإفطار؛ لوجود الممارسة الفعلية وهي اسلفر.
وإن أفطر اعتمادا على مجرد الأمل بالسفر، فذلك موضع خلاف وتفصيل للفقهاء لا مجال لذكره هنا 203.
وثمة خلاف آخر بين الفقهاء في أيهما أفضل في السفر الإفطار أم الصوم؟
فقد ذهب الجمهور منهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إلى أن الصوم أفضل في السفر لمن يقوى على ذلك، ولا يشق عليه كثيرا - أما إن خشي الضرر والمشقة الكبيرة فالإفطار أفضل - وقال الأوزاعي وأحمد بن حنبل: إن الفطر أفضل: عملا بالرخصة المشروعة، كما جاء في الحديث:"إن الله يحب أن تؤتى عزائمه"وبقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) - وقال آخرون إن المسافر مخير بين الصوم والإفطار، فهما بذلك من حيث الحكم سيان في حقه؛ وذلك لحديث أنس -رضي الله عنه- قال: سافرنا مع النبي (ص) في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم.
وذهب بعض أهل الظاهر إلى وجوب الإفطار للمسافر في رمضان - وقد احتجوا في ذلك بقوله تعالى: (فعدة من أيام أخر) فهم يقولون: إن ذلك يفيد الوجوب للإفطار في السفر ثم يقضي بدلا منه لعدة أيام أخر خارج رمضان - واحتجوا كذلك بالحديث:"الصائم في السفر كالمفطر في الحضر"وكذلك بقوله (ص) :"ليس من البر أن تصوموا في السفر، وعليكم برخصة الله لكم فاقبلوا".
وفي تقديرنا أن قول الجمهور هو الراجح؛ وذلك لما يعززه من أدلة واضحة مستفيضة - وهي أدلة بعيدة الاحتمال، وجليّة من حيث الاستدلال، لكن ما استدل به الآخرون من أدلة، فهي غالبا ما ترد واقعة معينة لا تشبهها الوقائع الأخرى، أو أن الدليل ربما جاء مطابقا لموقف دون غيره من المواقف المتعددة الناجمة أثناء السفر، وذلك تبعا لمستوى الضيق والمشقة اللذين يكونان في السفر 204.
وقوله: (فعدة من أيام أخر) عدة خبر مرفوع لمبتدأ محذوف تقديره الواجب أو الحكم - والعادة بمعنى المعدود - و (أخر) صفة الأيام - وهي معدولة عن آخر - وقيل: جمع أخرى، كأنه أيام أخر ثم كثرت فقيل: أيام أخر - وقيل غير ذلك 205 - والمعنى أن من أفطر يوما أو بعض أيام أو أفطر الشهر كله لعذر من سفر أو مرض فعليه أن يقضي بدلا من ذلك في غير رمضان حتى يؤدي المعذور ما في ذمته من حق لله بما يعدل الأيام التي أفطرها في رمضان.