أما وجه العداوة والبغضاء في الخمر، فإن الشاربين إذ يحتسون الخمر يقبلون عليها بشره وتعشّق طلبًا للذة والطرب والانتشاء الزائف المصطنع - حتى إذا ولغوا فيها ولوغًا خالطت عقولهم مخالطة، وأثرت في أحلامهم بالغ التأثير - لا جرم أنه تأثير سلبي فاضح يحول بين المرء وكامل وعيه وإدراكه ويسدل على العقل كثيفًا من الحجاب الصفيق ليحول بينه وبين القدرة على الإدراك والتمييز.
والسكارى وهم يعبّون من كؤوس الخمرة عبًّا يلفهم غطاء الغفلة والخدر وانعدام الإحساس والوعي فتأخذهم حالة من الهذيان المطبق، فلا يلبث المخمورون المأفونون بعد ذلك أن يلجوا في الصياح والصخب والغضب واللجاج بفعل الخمرة التي استحوذت على عقولهم فأفقدتهم القدرة على التماسك والضبط - وما يلبث المخمورون أن تتعثر ألسنتهم بقبائح الكلام من فحش وقذف وطعن وخوض في أعراض الناس والمحرمات - وكل ذلك لسوف يفضي بالضرورة إلى الكراهية والعداوة والتباغض بين الشاربين السكارى.
أما وجه العداوة والبغضاء في الميسر - فإن اللاعب المقامر لا ينجو من الخسارة - فلئن ربح من مرة أو مرات فلسوف يذوق وبال الخسارة في مرات أخرى - وربما يخسر ماله كليًّا في جلسة واحدة أو أكثر من جلسات الخسة والخزي على موائد القمار حيث السحت والجشع والأمل اللاهث المكروب - وذلك يعني أن المقامر سوف لا ينجو من الخسران مهما أوتي من براعة في المياسرة.
والمقامر الخاسر يجد قلبه كظيظًا مترعًا بمرارة الكراهية والحقد وفيض الامتعاض والمضاضة بما يحمله على مباغضة خصمه الآخر ومعاداته أشد المعاداة - فلا يكون المتقامرون بذلك إلا الأشتات من البشر المتهافت، والأناسي المتباغضين المتنافرين الذين تغمر قلوبهم موجة مستعرة من الضغن المتأجج لما جنوه على أنفسهم من التلطخ بلوثة السحت البشع على مائدة القمار الذميم.
قوله: {وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلواَةِ} يريد الشيطان للعباد كل سوء وشر - فهو لا يفتأ طيلة الأيام والأزمان يحرضهم لفعل السيئات والمعاصي، ويتربص بهم السقوط في الخطيئة بما يودي بهم إلى الهاوية وسوء المصير - والخمر والميسر سببان يلج منهما الشيطان لابن آدم فيسول له فعل كل معصية من قول أو فعل، ثم يصدهم فوق ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة.
أما الخمر فهي تخامر العقل مخامرة لتسدل عليه ستارًا من الذهول والعمه فيعجز عن الاستبصار والتمييز - والشارب الذي طغى على ذهنه وقلبه وأعصابه حسوات من خمر، أجدر أن لا يكون في عداد الذاكرين لله - بل هو في زمرة اللاهين السامدين الذين يتيهون حماقة ورعونة - فأنَّى لمثل هذا المخمور التائه المأفون أن يعي أو يتدبر وجيبة الذكر لله.
وكذا الصلاة - فإن من تبددت في كيانه ظواهر الوعي والفهم والتدبر أجدر أن لا يتذكر الصلاة - هذه العبادة الرائعة المميزة المكرورة مرات في كل يوم - العبادة الخاصة التي تتكامل فيها مركبات الشخصية المؤمنة لتلتئم في كيان واحد متسق عجيب يناجي ربه وهو بين يديه - حتى ما يكون في كيان الإنسان كله من أعصاب وحواس وتفكير إلا ويقف واجمًا ضارعًا متوسلًا خاشعًا في لحظات الصلاة - فأنّى للمخمور المتطيش مسلوب العقل والإرادة أن يؤدي مثل هذه العبادة الجليلة - لا جرم أنه بذلك مصدود عن ذكر الله وعن الصلاة.
وكذلك الميسر - فإنه شَرَك للمقامر الجشع - المقامر الوالغ في أكل الباطل والحرام، السادر في اكتساب السحت ظلمًا وعدوانًا - ذلك هو المقامر المنكود الذي يترعرع في عيشه المتدنس على حساب الآخرين الخاسرين بغير حق.