قوله: (لانفضوا من حولك) أي تفرقوا عنك حتى لا يبقى حولك أحد منهم - وذلك درس بليغ جدير بالدعاة إلى دين الله أن يعوه وأن يقفوا عليه في تدبر واستبصار - وأصل ذلك خطاب الله لرسوله الكريم أن يا محمد لو كنت جافيا قاسي القلب مع هؤلاء المؤمنين لتفرقوا عنك هيبة لك واستحياء منك بعد الذي كان من توليهم، لكنك كنت معهم رحيما رفيقا حانيا - ولا عجب في ذلك، فإن ذلكم كان خلق الرسول صلى الله عليه و سلم - كان خلقه ودأبه الرفق والرحمة والتواضع والعفو عن زلات المسيئين، كان عليه الصلاة والسلام غاية في اللين وطيب العشرة وطهارة القلب - لا جرم أنه أكمل الخليقة طرا في حميد خصاله وشرف محاسنه التي يعز على الكون أو الكائنات أن تضاهيها.
قوله: (فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر) الفاء تدل على التعقيب - وذلك بعد أن بين الله مدى ما يتجلى في نبيه الكريم من خصال الرحمة واللين، وانتفاء الغلظة والفظاظة يكلف الله نبيه بما يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: أن يعفو عنهم فيما يتعلق بحقه - أي ما له في خاصته عليهم من تبعة.
الثاني: أن يستغفر لهم فيما لله عليهم من تبعة - أي فيما يختص بحق الله عليهم.
الثالث: أن يستشيرهم فيما يستشار فيه من قضايا الحرب ونحوها مما لم ينزل فيه وحي - وفي اللغة يقال: شاورهم مشاورة وشوارا ومشورة، والاسم الشورى - والمشاورة مأخوذة من قولهم: شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته - وقيل: مأخوذة من قولهم شرت الدابة شورا، إذا عرضتها في المشوار - وتشاور القوم واشتوروا (وأمرهم شورى بينهم) أي لا يستأثر أحد بشيء دون غيره 256.
لما أمر الله نبيه بمشاورة المسلمين في أمور الحياة مما يعرض لهم من قضايا ومشكلات، كان عليه الصلاة والسلام أحرص الناس على العمل بمبدأ المشاورة، فكان يستشير أصحابه في قضايا الحرب وغيرها من أمور الدنيا مما لم ينزل فيه وحي - فقد شاورهم يوم بدر في الذهاب إلى العير فقالوا: يا رسول الله لو استعرضت بنا عرض البحر لقطعناه معك، ولو سرت بنا على برك الغماد لسرنا معك، ولا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون - ولكن نقول: اذهب فنحن معك وبين يديك وعن يمينك وعن شمالك مقاتلون.
وكذلك شاورهم أين يكون المنزل حتى أشار المنذر بن عمرو بالتقدم أمام القوم وكذلك وشاورهم في أحد في أن يعقد في المدينة أو يخرج إلى العدو - فأشار جمهور المسلمين بالخروج إليهم فخرج إليهم.
وكلك شاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذ فأبى ذلك عليه سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فترك ذلك.
وكذلك شاورهم يوم الحديبية في أني ميل على ذراري المشركين - فقال له الصديق: إنا لما تجيء لقتال وإنما جئنا معتمرين، فأجابه إلى ما قال: وقال صلى الله عليه و سلم في قصة الإفك:"وأشيروا علي معشر المسلمين في قوم أبنوا أهلي ورموهم - و أيم الله ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن؟ والله ما علمت إلا خيرا"- 257 وقوله: (أبنوا) بفتح الباء أي اتهموا - أبنه بشيء يأبنه فهو مأبون بخير أو شر - فإن أطلقت فقلت مأبون فهو للشر - وابنه تأبينا أ] عابة في وجهه - وأبن فلان يؤبن بكذا أي يذكر بقبيح 258.