والراجح عندي هو القول الثاني؛ استنادا إلى الدليل الظاهر:"لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"وهو نص متأخر حتى يمكن الحكم بأنه ناسخ لما عارضه من حديث - والله سبحانه وتعالى أعلم.
والميتة إذا كانت في بطن الذبيح جنينا فثمة خلاف في ذلك - والراجح أنها تؤكل، إلا إذا ظل الجنين حيا بعد ذبح أمه أو نحرها - فإنه في مثل هذه الحالة يكون له حكم الحي الذي يذكى ليؤكل، لكنه إن كان ميتا فإنه يحتسب عضوا من أعضاء أمه فيؤكل دون تذكية - وقيل: لا يؤكل؛ لكونه ميتا، والقول الأول هو الراجح بدليل ما رواه جابر رضي الله عنه أن رسول الله (ص) سئل عن البقرة والشاة تذبح، والناقة تنحر فيكون في بطنها جنين ميت فقال:"إن شئتم فكلوه، لأن ذكاته ذكاة أمه".
وإذا وقع في الطعام حيوان طائر أو غيره فمات فثمة قولان: أحدهما: يذهب إلى نجاسة الطعام كله؛ لمخالطته الميتة - وثانيهما: يذهب إلى نجاسة المرق؛ إذ لا يمكن تطهيره بل يراق، أما اللحم فيطهر إذا غسل بالماء - وفي تقديرنا أن هذا هو الراجح؛ لأن المرق الذي وقعت فيه النجاسة قد تخالط بها تماما فعير مستطاع فصلها عنه، لكن اللحم إذا غسل تماما أمكن تنقيته من أدران النجاسة - وقد سئل ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فقال:"يغسل اللحم ويؤكل".
أما البيضة واللبن يخرجان من الدابة المأكولة بعد موتها، فقد اختلفت كلمة الفقهاء فيهما، وقد اتفق الإمامان الشافعي ومالك على أنهما لا يؤكلان لنجاستهما، لكنهما اختلفا في مصدر نجاستهما، لكنهما اختلفا في مصدر نجاستهما - فقال الشافعي: إنهما نجسان بنجاسة الأصل وهي الميتة وهما عضوان منها - وقد استند في ذلك إلى عموم قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) .
وذهب الإمام مالك إلى أن البيضة واللبن يكونان طاهرين في الأصل وذلك بعد موت الدابة من غير تذكية، لكنهما ينجسان لمجاورتهما اللحم النجس.
أما أبو حنيفة فقد قال بطهارتهما - وعلل ذلك بأن اللحم يؤكل بما فيه من العروق مع القطع بمجاورة الدم لدواخلها من غير حاجة لتطهير أو غسل.
أما (الدم) فهو نجس ويحرم أكله أو الانتفاع به - إلا ما عمت به البلوى من الدم فهو معفو عنه، وذلك كالدم يخالط اللحم والعروق، أو ما يصيب بدن الجزار وثوبه مما يصعب معه التحرز - فإن كان كذلك فهو مما تعم به البلوى، أو ما يكون التحرز منه يفضي إلى الحرج - ومن قواعد الشريعة السمحة دفع الحرج - فإن من قواعد هذا الدين قيامه على التسهيل واليسر ودفع الحرج بكل ظواهره في كل مناحي الشريعة قال سبحانه: (وما جعل عليكم في الدين حرج) .
على أن هذا النص الكريم في تحريم الدم يفيد العموم، لكنه حرج منه صنفان من الدم وهما الكبد والطحال، وذلك ما جاءت به السنة الكريمة فيما روي مرفوعا من حديث ابن عمر:"أحل لنا ميتتان ودمان، السمك والجراد والكبد والطحال"فهما بذلك مباح أكلهما على سبيل التخصيص - فالنص في ذاته عام، لكنه مخصص بالسنة الصحيحة.
وأما (لحم الخنزير) فهو محرم العين سواء ذكي أم لم يُذكّ - فهو حرام جملة وتفصيلا إلا ما روي عن شعره - والمقصود بتحريمه عينا أنه نجس وحرام لذاته وعلى هذا لا يتحول إلى مباح بالتذكية بل هو باق على صفته من النجاسة والتحريم فلا يجوز شرعا أن يؤكل منه شيء ولا أن يُباع أو يُشترى باستثناء الشعر فإنه يجوز استعماله للخرازة - فقد سئل النبي (ص) عن ذلك فقال"لا بأس بذلك"والمراد بالخرازة خياطة الثياب.