وروى الترمذي أيضا من حديث علي (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حل بها البلاء"فذكر منها:"إذا اتخذت القينات والمعازف"وفيما رواه أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من جلس إلى قينة يسمع منها صُبَّ في أذنه الآنُك 5 يوم القيامة".
على أن الغناء المنهي عنه هو المعتاد عند المشتهرين به، والذي يحرك النفوس فيستميلها للذة والطرب، ويجنح بها للهوى والغزل والمجون بعد سكون الشهوة ورقادها - إلى غير ذلك من الشعر الذي يُشَبَّب فيه بالنساء ووصف محاسنهن والافتتان بهن ووصف الخمور والمحرمات، فإن ذلك حرام قطعا - أما ما كان من غناء يخلو من ذلك فيجوز منه القليل في بعض الأحوال والظروف كالأعراس والأعياد حيث السرور والبهجة تغمر قلوب الناس في مثل هذه المناسبات - وكذلك عند التنشيط على الأعمال الشاقة مما يروح النفس ترويحا ويكفكف عنها غبار الكد والنصَب.
وذلك كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشه، وهو أسود كان يسوق الإبل بنساء النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع وكان حسن الحداء، وكانت الإبل تزيد في الحركة بحدائه - وفي ذلك روى الديلمي عن أنس مرفوعا:"روحوا القلوب ساعة فساعة".
أما ما ابتدعته الصوفية من سماع المغاني وقد اختلطت بالمعازف وآلات الطرب كالشبابات والمزامير والأوتار فذلكم حرام.
أما الضرب على الدف لإظهار النكاح فمباح - وقال القرطبي في هذا الصدد: إن الطبل في النكاح كالدف، وكذلك الآلات المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه بما يحسن من الكلام ولم يكن فيه رفث.
أما الاشتغال بالغناء على الدوام فهو سفه - تُرد به الشهادة وقد ذهب الإمام مالك إلى أن الغناء حرام - ولما سئل عن ذلك قال: إنما يفعله عندنا الفساق - وذهبت الحنيفية والشافعية، وكذا الحنبلية في رواية لهم إلى أن الغناء مكروه، وأن سماعه من الذنوب، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.
والذي نميل إليه أن الآية تتناول بعمومها سائر الأقوال والأحاديث التي تلهي عن طاعة الله والتي تشغل البال والقلب عن الخشوع والورع والتذكر، وسماع المواعظ ودروس العلم - سواء في ذلك الغناء أو قص الأساطير الموهومة بقصد الإلهاء عن سماع الإسلام بأفكاره ومعانيه، وكذلك اللغو من الكلام الذي يلهي الناس عن سماع القرآن ويضلهم عن الحق ليتيهوا في الباطل - وهو قوله: {ليضل عن سبيل الله} المضل يراد به صاحب اللهو على اختلاف وجوهه فهو بتلهيته يضل الناس عن دين الله فيحول بينهم وبين سماع القرآن والاتعاظ بكلماته وإيقاعاته المؤثرة - أو يلهيهم عن الاستفادة من علوم الإسلام؛ إذ لا يستبقي لهم من الفراغ أو الوقت ما يقرأون فيه أو يسمعون القرآن وروائع الإسلام، فضلا عن تلهيتهم عن أداء الواجبات والطاعات المفروضة والمندوبة.
وهذا هو دأب الحكام والساسة الذين يقودون المسلمين في عصرهم الراهن؛ إذ يسوسونهم بغير شريعة الإسلام؛ يسوسونهم بشرائع الكفر وملل الضلال والباطل مما ابتدعوه من نظم الحضارة المادية الظالمة - أولئك يصطنعون كل أسباب التلهية من مختلف وجوه اللهو الفارغ الذي تُسخّر لنشره وإشاعته كل الوسائل والأسباب وبخاصة وسائل الإعلام المختلفة؛ وذلك من أجل أن تلتهي الأمة عن الاهتمام بدينها وقيمها ومقوماتها الثقافية والمعنوية والسلوكية؛ وكيما تغض الطرف عن تعاليم الإسلام ولا تعبأ بسماع القرآن، فضلا عما يبتغيه الساسة الظالمون من إفساد النفس لدى الأفراد وتشويه العقول والتصورات فتزهد في الإقبال على الإسلام كل الزهد أو تنفر منه نفورا.