فهرس الكتاب
وينظر المسلمون للأنبياء جميعا على أنهم عباد مصطفون أبرار قد اختارهم الله من بين خلقه لتناط بهم أمانة التبليغ - فهم بذلك أناس من جنس البشر، لكنهم يفوقون البشر بما أوتوه من حظوة الاصطفاء، وبما ركب في شخوصهم وفطرتهم من زخم الروح والاستعداد الذاتي العظيم ومن العصمة التي تدرأ عن طبائعهم مقارفة الخطايا.
قوله: (لتكونوا شهداء على الناس) اللام للتعليل، وواو الجماعة اسم تكون في محل رفع، (شهداء) خبر ومفردها شاهد أو شهيد.
وهذه خصيصة أخرى من كبريات الخصائص لهذه الأمة المبجلة الوسط - وتتجلى هذه الخصيصة لهذه الأمة في كونها شهيدة على الناس يوم القيامة؛ إذ تشهد لهم أو عليهم بما أسلفوه من أعمال.
وفي هذا الصدد أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد في مسنده عن النبي (ص) أنه قال:"يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيُدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير وما أتانا من أحد، فيقال لنوح: من يشهد لك، فيقول محمد وأمته".
وأخرجه الإمام أحمد بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص) :"يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجلان وأكثر من ذلك فيدعى قومه فيقال: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا - فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم - فيقال: من يشهد لك فيقول: محمد وأمته فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم - فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاءنا نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا".
هذا هو تأويل الشهادة لهذه الأمة على الناس يوم القيامة - وفي ذلك إبراز للشأن العظيم الذي تحتله هذه الأمة بما يجعلها خير أمة أخرجت للناس، ويجعلها كذلك أمة وسطا لتقف على ذروة السنام من التكريم والاعتبار في الدنيا والآخرة.
قوله: (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) القبلة التي كان النبي عليها هي بيت المقدس - فهي قبلته والمسلمين حال هجرتهم إلى المدينة وذلك بأمر وتوجيه من الله سبحانه؛ ليميز أهل اليقين من الشك وليستبين الذين يثبتون في الطريق وهم ماضون على صراط الله وعلى منهجه القويم، ثم الذين ينكصون على أعقابهم وينتكسون انتكاسة المرتدين الأشقياء.
قوله: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله) كان تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى مكة أمرا كبيرا أثار الاهتمام والتساؤل من كثير من الناس، وهو كذلك حدث يثير دهشة يهود وكثيرين غيرهم ممن راعهم هذا التحول غير المتوقع؛ لذلك كانت قضية تحويل القبلة بالنسبة لأولئك جميعا أمرا عظيما قد تمخض عن فتنة أفقدت ضعاف العزيمة والعقيدة جل إيمانهم أو بعضه (إلا على الذين هدى الله) فإنه يستثني من هؤلاء المفتونين المنتكسين من ثبتوا على الحق ولم يزعزعهم إعصار الفتنة ممن هدوا إلى الامتثال لأمر الله والانقياد لشرعه وما أنزله من تكليف مهما كان ثقيلا أو عسير الاحتمال.