فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 2536

وتتضمن السورة الكريمة أيضا هذا القرار الرباني الحاسم - القرار الإلهي الأعظم الذي لا يخالطه شيء من ريبة أو زيغ - وإنما هو القرار الكامل الأمثل الذي يضع البشرية على الطريق السوي المتوازن، بل يضعها على المحجة الناصعة المستقيمة، المحجة السليمة من أي خلل أو اعوجاج، وذلك بعد أن استكملت البشرية دورتها في عجلة الحياة السائرة الدائرة، فاستقر بها الشأن إلى حال مكتمل من الثبات والتوازن والاعتدال - وهي في ذلك إنما يصلح حالها كله في ظل الإسلام الذي قرره الله للبشرية دينا كاملا شاملا طيلة حياتها الدنيا هذه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها - ذلكم هو القرار الكوني المجلجل الذي كتبه الله لعباده إذ جعل لهم الإسلام وحده دينهم المميز الأمثل ليرسم للبشرية من خلاله حياتها الكريمة الفضلى - حياة حافلة بالخير والعدل والنجاة والرحمة - فقال عز من قائل: (إن الدين عند الله الإسلام) .

وتتضمن السورة كذلك جملة اصطفاءات ربانية مميزة، أولها اصطفاء آدم أبي البشر إذ خلقه الله من تراب على نحو مغاير للكيفية التي خلق بها بقية البشر حيث التناكح والإنجاب - ثم نوح، وهو الأب الثاني للبشر بعد أن أهلك الله السالفين لما كفروا ولجوا بالجحود والعناد فأخذهم الطوفان الهادي فغرقهم تغريقا.

ثم آل إبراهيم - هذا النبي العظيم الخليل الذي جعل الله في ذريته النبوة فكان فيهم النبيون والمرسلون من بني إسرائيل - وهذا النبي خاتمهم الأكرم محمد صلى الله عليه و سلم.

وكذلك آل عمران إذ جعل الله من نسله خير نساء العالمين - تلك المرأة الطاهرة البتول الفضلى (وإذا قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين) هذه المرأة المبرأة المصون، عنوان الطهر والعفاف، قد كتب الله أن تحقق من خلالها معجزته العجيبة الخالدة بولادتها المسيح من غير أب ليكون نبيا وسيدا وحصورا.

وتتضمن السورة أيضا تقريرا لحقيقة راسخة ثابتة، وهي انتفاء اليهودية والنصرانية عن سيدنا إبراهيم عليه السلام لتقرر في مقابل ذلك أن خليل الله إنما كان حنيفا مسلما، أي أنه كان على فطرة التوحيد الخالص الذي لا يخالطه ذرة من إشراك، خلافا لليهودية والنصرانية اللتين خالطهما الشرك على اختلاف صورة سواء في ذلك عبادة بعض النبيين أو الأشخاص أو غيرهم من أشكال الهوى.

وتتضمن السورة أيضا إظهارا لشأن البيت الحرام حيث الكعبة المعظمة التي جعلها الله مثابة للناس وأمنا - وفي هذا الصدد من تكريم الكعبة وإطرائها يأتي ذكر الحد إذ جعله الله فرضا على كل مسلم قادر عاقل بالغ مستطيع.

ومما تضمنته هذه السورة كغيرها من السور الكثيرة المدنية قصة بني إسرائيل مع الأمم على امتداد الأحقاب والأدهار - وهي قصة لا جرم أنها طويلة ومريرة ومثيرة للدهش والتعجب، إنها قصة الكيد للبشرية والتآمر عليها في قيمنها ومقوماتها وعظمائها من النبيين والمصلحين - وقد تجلى ذلك في صور شتى من ألوان الكيد ما بين قمع وقتل وتدمير وإبادة - إلى غير ذلك من وجوه السلب للخيرات والثروات واغتصاب الديار والأوطان وتشويه المبادئ والحقائق والأديان ونشر الفوضى والإرهاب والترويع والفساد، يضاف إلى ذلك أيضا كيد الصليبية الحاقدة الظالمة، الصليبية المتربصة المتعصبة التي لا تقيم وزنا لدين من أديان السماء، ولا لقيمة من قيم الحق والإنسانية، إلا التعصب الفاجر الأعمى، والحقد الأسود المركوم، الحق الذي يتخلل النفسية الغربية فيشوبها بشائبة الكراهية المقيتة للإسلام والمسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت