قوله: (وبالوالدين إحسانا) إحسانا مصدر لفعل محذوف تقديره أحسنوا - والله يأمر بالإحسان لجملة من الناس يأتي في طليعتهم أحقهم بالفضل والإجلال والتكريم، وهما الوالدان - وقد قال العلماء: إن أحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة والإذعان ذلكما اللذان قرن الله الإحسان إليهما بعبادته سبحانه ألا وهما الوالدان - ويبدو ذلك في قوله تعالى: (أن اشكر لي ولوالديك) وقد قال النبي (ص) :"رضا الرب في رضا الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين"- والإحسان للوالدين في هذه الآية لا يرد على سبيل الندب والاستحباب، بل هو وارد مورد الفرضية والإيجاب - فإن طاعة الوالدين في غير معصية والإحسان إليهما وبرهما أمور أوجبها الله إيجابا على كل مسلم عاقل بالغ له أبوان أو أحدهما على قيد الحياة - وليس في معصيتهما والنكول عن البر بهما والإحسان إليهما أو أحدهما إلا ضرب من ضروب الجريمة الكبرى التي يسقط فيها الخاسرون التعساء، وهي جريمة بشعة نكراء قد شدد الإسلام في الإغلاظ عليها بأنها إحدى السبل التي تؤدي بالعاقين العصاة إلى جهنم والعياذ بالله.
وتوجب الآية كذلك الإحسان لذوي القربى بعد أن عطفهم على الوالدين - وأولوا القربى هم الذين تربطهم بالمرء رابطة النسب على اختلاف درجاتهم، سواء كانوا من أولي الأرحام أو العصبات وسواء كانوا من الورثة أو غير وارثين.
وكذلك توصي الآية بالإحسان للمساكين وهم جمع تكسير مفردة مسكين - وفي بيان حقيقة المسكين قد وردت أقوال كثيرة مختلفة لعل أصوبها وأرجحها أن المسكين هو الذي يملك من المال والمؤونة ما لا يكفيه - فهو بذلك من ذوي الحاجة الذين ليس لديهم ما يكفي لسد حاجتهم فهؤلاء يجدر بالمسلمين أن يحدبوا عليهم وأن يحسنوا إليهم بمختلف وجوه الإحسان.
وقوله: (والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب) الجار من الجوار وهو الأمان والعهد وإعطاء الرجل ذمة فيكون بها جاره فيجيره - يقال"هو في جواري"أي في عهدي وأماني 63 - وفي كلمة الجار ما يوحي بوجوب صون الجار من الضرر وكف الأذى عنه ثم الإحسان إليه باعتباره داخلا في الجوار لجاره أي في أمانه وعهده - وهذه مرتبة عظيمة يحتلها الجار من حيث وجوب الإحسان إليه ودفع الشر والبوائق عنه - وإسداء النصح والبر وكل وجوه البر والخير له.
وفي الآية تقسيم للجار إلى صنفين - أولهما: الجار (ذي القربى) أي القريب، ثانيهما: (الجار الجنب) - وهو الغريب - وقيل المقصود بالجار ذي القربى المسلم - أما الجار الجنب فهو النصراني أو اليهودي وكل هؤلاء موصى بهم سواء كانوا أقرباء أم غرباء، أو كانوا مسلمين أو غير مسلمين - وقد أوصى النبي (ص) بالجار حق التوصية وعلى نحو ينتزع الاهتمام البالغ بالجار وحقه فقد روى أحمد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله (ص) قال:"وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"وروى البخاري ومسلم عن أبي شريح أن النبي (ص) قال:"والله لا يؤمن والله لا يؤمن"قيل: يا رسول الله ومن؟ قال:"الذي لا يأمن جاره بوائقه"- وروى البزار عن جابر بن عبد الله عن النبي (ص) أنه قال:"الجيران ثلاثة فجار له ثلاثة حقوق وجار له حقان وجار له حق واحد، فأما الجار الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام - والجار الذي له حقان فهو الجار المسلم فله حق الإسلام وحق الجوار - والجار الذي له حق واحد هو الكافر له حق الجوار".