فهرس الكتاب

الصفحة 907 من 2536

قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هن المفلحون} هذه الآية تؤكد المعنى السابق ومفاده أن الله يكتب رحمته الواسعة {للذين يتقون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون} وهم أمة الاسلام، أمة محمد صلى الله عليه وسلم - أما أهل الكتاب من اليهود والنصارى فلاحظ لهم في الإيمان الحقيقي والصحيح؛ لأنهم أمنوا ببعض النبيين وكفروا ببعضهم وذلك هو الجحد والكفران فضلا عما فعلوه في كتبهم السماوية من تغيير وتبديل.

قوله: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} هذا الكلام من الله لموسى من قبل أن ينزل الإنجيل فهو من باب الإخبار بما سيكون في المستقبل - والرسول النبي الأمي هو محمد صلى الله عليه وسلم وهو منسوب إلى الأمة الأمية التي هي على أصل ولادتها من السذاجة والبدائية - فلم تتعلم الكتابة ولا القراءة - وفي ذلك جاء في الصحيح عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) وهذه علامة ظاهرة بلجة تكشف عن صدق نبوة هذا الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم، وهي كونه أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة - لا جرم أن ذلك أبلغ في الدليل وأعظم في ظهور الحجة على صدق نبوته وأنه مرسل من عند الله، وأن ما أنزل إليه من ربه الحق، وهو القرآن الحكيم - هذا الكتاب المبارك الممجد الذي يعبق به الخير وتفوح منه الرحمة والبركة على الإنسانية والكائنات جميعا - وهو الذي تتندى منه ظواهر شتى من الإعجاز مما ليس له نظير في كلام الأولين والآخرين، إن هذا الكتاب في روعة كلمه، وجمال أسلوبه، وعلو مستواه، وكمال مبناه، وجليل مضمونه ومحتواه؛ إنما يدل على أنه من لدن رب العالمين - وأنى لبشر من البشر أن يصطنع شيئا مثل هذا الكلام العجيب الفذ؟! مع التذكير والتنبيه أن محمدا صلى الله عليه وسلم رجل أمي ما عرف الكتابة ولا القراءة - وما درس من العلوم أو المعارف شيئا - وما تلقى من أخبار التاريخ أو الفلك أو الطبيعة أو غير ذلك من علوم الحياة.

قوله: {الذين يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} ذلك هو ذكر رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في الكتب السماوية السابقة؛ إذ بشر بها النبييون السابقون أممهم أن الله مرسل نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مبعوثا للعالمين فأمرهم بتصديقه واتباعه ولم يزل صفته موجودة في التوراة والإنجيل لولا الضالون منهم الذين بدلوا كلام الله تبديلا، وأسرفوا في تحريف كتبهم، وأنكروا صفته صلى الله عليه وسلم - وفي ذلك روي الإمام أحمد عن رجل من الأعراب قال: جلبت حلوبة إلى المدينة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فرغت من بيعي قلت: لألفين هذا الرجل فلأسمعن منه - قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشون فتبعتهم حتى أتوا على رجل من اليهود ناشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي؟) فقال برأسه: هكذا - أي لا - فقال ابنه: والذي أنزل التوراة إنا لنجد في كتابنا صفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فقال: (أقيموا اليهودي عن أخيكم) ثم تولى كفنه والصلاة عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت