قوله: {إلا اللمم} استثناء منقطع 13 والمراد باللمم صغائر الذنوب - واللمم أيضا طرف من الجنون - ورجل ملموم أي به لمم - ويقال: أصابت فلانا من الجن (لمة) وهو المسّ - والملمة بمعنى النازلة من نوازل الدنيا - والعين اللامة، التي تصيب بسوء - يقال: أعيذه من كل هامة ولامّة 14 - والمراد به في الآية صغائر الذنوب ومحقرات الأعمال التي لا ينجو منها إلا صانه الله بعصمة أو رعاية - واللمم في قول كثير من العلماء أنه ما دون الزنا - وقيل: ما دون الوطء، من القبلة والغمزة والنظرة والمضاجعة - وفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قاله أبو هريرة إن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الله كتب على آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدّق ذلك أو يكذبه"قال القرطبي في تفسير ذلك: والمعنى أن الفاحشة العظيمة والزنا التام الموجب للحد في الدنيا والعقوبة في الآخرة هو في الفرج، وغيره له حظ من الإثم - وذكر عن ابن مسعود قال: زنا العينين النظر، وزنا الفم التقبيل، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين المشي، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه - فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو اللمم - وسئل أبو هريرة عن قول الله {إلا اللمم} فقال: القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة - فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل وهو الزنا.
وقيل: اللمم كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في الآخرة - فذلك الذي تكفره الصلوات الخمس ما لم يبلغ الكبائر والفواحش - وقيل: هو الذنب العظيم يلمّ به الإنسان المرة بعد المرة فيتوب منه.
فقد روي عن ابن عباس قال: اللمم الذي يلم المرة - أي يلم بالذنب الكبير ثم يتوب - قوله: {إن ربك واسع المغفرة} الله غفار للذنوب وإن كثرت، إذا اجتنبت الكبائر - فما كان من لمم وهي الصغائر والمحقرات من السيئات إذ تلبس بها المرء فإن الله يعفو عن ذلك بواسع رحمته وعظيم فضله وكرمه لمن تاب وأناب.
قوله: {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} يبين الله للناس أنه علمه محيط بهم - فهو عليم بأحوالهم وأفعالهم وأقوالهم وما هم صائرون إليه - فقد خلق الله الناس من الأرض وذلك بخلق أبيهم آدم الذي خلق من طين ثم خلق منه نسله فجعلهم مختلفين متفاوتين في الطبائع والصفات والأهواء - فالله عليم بذلك كله - عليم باختلافهم في الإيمان والكفر، وفي السعادة والشقاء، وفي السواد والبياض، وفي الحسن والقبح، وفي الفطنة والبغاء، وغير ذلك من وجوه الصفات المختلفة.
قوله: {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} أجنة، جمع جنين وهو الولد ما دام في بطن أمه - وسمي جنينا، لاجتنابه أي استتاره - أي أن الله (جل وعلا) أعلم بالإنسان وقت اجتنابه مستترا في بطن أمه ويعلم رزقه وأجله وعمله في هذه الدنيا، ويعلم مصيره الذي يؤول إليه من حيث السعادة والشقاوة - فالله لا يعزب عن علمه شيء من ذلك.
قوله: {فلا تزكّوا أنفسكم} أي لا تمدحوها وتثنوا عليها، فإن مدح النفس يفضي إلى الرياء والمنّة والغرور - وهذه محاذير خطيرة تفضي إلى حبوط الأعمال والخسران.
قوله: {هو أعلم بمن اتقى} الله أعلم بالمتقين المخلصين الذين يطيعون الله، خوفا من عذابه وطمعا في رضاه.