فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 2536

قوله: {وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم} - {أسارى} مفردها أسير وهو من الإسار بمعنى القيد الذي يكون وثاقا لمن يقع في الأسر - و {تفادوهم} من المفاداة أو الفداء وهو أن يطلب من الأسير دفع فدية مالية لتسريحه - كان اليهودي الذي يحارب إلى جانب حلفائه من العرب المشركين إذا وقع في أسر خصومه من اليهود الآخرين، فإنهم يضطرونه لدفع فدية من المال؛ كيما يسرحوه مع أن التوراة تحرم أن يقتل اليهود بعضهم بعضا، أو أن يخرجوا أحدا من دياره أو يظاهروا عليه خصومهم من الآخرين - وبعبارة أخرى: فإن التوراة تفرض على اليهود من خلال هذه الآية أربعة فروض هي: ألا يقتل بعضهم بعضا، وألا يخرج بعضهم بعضا من دياره، وألا يظاهروا غيرهم على بعضهم، وأن يفادوا أسراهم بالمال إذا وقعوا في أسر خصومهم - وبعبارة أخرى، ثمة عهود أربعة أخذت عليهم: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم - وهذه عهود أربعة أخذت عليهم: ترك القتل، وترك الإخراج، وترك المظاهرة، وفداء أسراهم - وهذه عهود قد واثق الله بني إسرائيل بها في التوراة، لكنهم قد نقضوا كل هذه العهود باستثناء المفاداة التي تحققت على نحو يقوم على التحيل والتناقض - فهم قاتلوا إخوانهم في الملة، وأخرجوهم من ديارهم، وظاهروا المشركين عبدة الأوثان عليهم، ثم فادوهم بالمال - لا جرم أن ذلك التواء وتناقض يكشف عن سلوك فاسد مضطرب - سلوك فيه مخالفة صريحة لما جاء في التوراة، فكيف يتطابق الإخراج والإيقاع في الأسر مع المفاداة بالمال لفكاكهم من الأسر؟! إن ذلك نكول صريح عن شرع الله - أو هو ضرب من تقسيم الملة إلى ما يؤخذ وما يترك!.

أما قوله: {وهو محرم عليكم إخراجهم} الواو للحال والجملة الإسمية بعدها في محل نصب حال - هو ضمير في محل رفع مبتدأ - {محرم} خبره،

{إخراجهم} بدل من الضمير المبتدأ - وقيل في إعراب هذه الجملة غير ذلك 75.

أما قوله: {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض} في ذلك استفهام ينطوي على توبيخ ونكير لفعلة هؤلاء الشنيعة - وهي فعلة تحتسب في عداد الكفر الصريح المكشوف - وهو إيمان هؤلاء القوم ببعض ما جاء في الكتاب والعمل به، ثم كفرهم ببعض الآخر وإعراضهم عنه.

والذي يلفت النظر هنا أمران يكشفان عن حقيقة الكفر في غاية من الوضوح الحاسم والذي لا يقبل المداهنة أو اللين.

الأمر الأول: أن إعراض هؤلاء القوم عن بعض ما جاء في كتابهم وانثناءهم عن العمل به لهو الكفر نفسه - حتى إن مجرد التصديق الباهت الذي يظل حبيس النفس ليس له أدنى وزن أو أهمية في ميزان الله تعالى، فلا خير في تصديق إذا لم يكن مقترنا بالعمل تمارسه الجوارح؛ وذلك ليعلم الإنسان المؤمن في ضوء هذا التصور الفاصل أنه لا يتاح له أن يعبر حومة المؤمنين الصادقين إلا إذا كان عاملا بما رسخ في ذهنه من مدركات وتصورات.

الأمر الثاني: أن الإيمان والعمل ببعض ما جاء في الكتاب لا يغني عن الإيمان والعمل به جميعا - فإن قضية الإيمان لا تتجزأ، والإيمان حقيقة متكاملة متسقة لا تعرف التجزئة والانقسام، وأي إيمان أو تصديق بجزء من العقيدة لا يمحو عن المرء عار الكفر والجحد بالعقيدة كلها - وكذلك فإن العمل ببعض ما جاء في الكتاب ثم الإعراض عن العمل ببعضه الآخر لا يرد عن المرء وصمة الكفر التي كتب الله أنها تدفع المدبرين عن صراط الله ومنهجه الواضح المتسق - هؤلاء الذين يُقبلون على الله بوجه ثم يُقبلون على غيره بوجه آخر - أو الذين يفرقون في العبادة ليجعلوا جزاء منها لله وأجزاء أخرى لغير الله من الأرباب المنتشرة في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت