فهرس الكتاب

الصفحة 610 من 2536

ومن جهة أخرى فإن الاستقسام بالأزلام فيه افتراء على الله إن أراد المستقسم بقوله"بربي"الله تعالى - أو فيه جهالة وشرك إن أراد المستقيم به الصنم - فكل ذلك حرام وهو ليس من باب الفأل الحسن الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه لما تنشرح به النفس وتستبشر ببلوغ المرام.

ومن حميد الخصال حسن الظن بالله سبحانه - وفي الحديث القدسي"أنا عند ظن عبدي بي"وعكس الفأل الطيرة - والفرق بينهما أن الفأل طريقه حسن الظن بالله، لكن الطيرة طريقها الاتكال على غير الله.

على أن المؤمنين إذا ترددوا في أمر من أمورهم كان عليهم أن يستخيروا الله، وذلك أن يعبدوه ويسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه - وفي هذا روى أحمد والبخاري وأهل السنن عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله صلى اله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن ويقول:"إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب - اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر - ويسميه باسمه - خير لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري - أو قال - عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه - اللهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ودنياي ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفني عنه واصرفه عني، واقدر لي الخير حيث كنت ثم رضني به".

قوله: {ذلكم فسق} اسم الإشارة في محل رفع مبتدأ، وخبره فسق - والإشارة هنا إلى الاستقسام بالأزلام - وقيل: إلى جميع ما تقدم من المحرمات، فإن ذلك كله {فسق} أي خروج عن طاعة الله إلى معصيته، أو خروج من الحلال إلى الحرام 29.

قوله: {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم} أي يئس الذين كفروا أن ترجعوا إلى دينهم كفارا - واليأس معناه انقطاع الرجاء - والتقدير أن هؤلاء الكافرين قد انقطع رجاؤهم من إبطال دينكم ورجوعكم عنه باستحلال هذه المحرمات والخبائث.

أو أنهم استيأسوا من غلبتهم عليكم لما رأوه من إظهار الله لهذا الدين بعد أن وعد عباده المؤمنين بإعلاء شأنهم وإظهار دينهم على كل الأديان.

قوله: {فلا تخشوهم واخشون} أي لا تخافوا من الكافرين بعد أن أذلهم الله وأظهركم عليهم - وبعد أن عز شأن الإسلام وأعلا راية المسلمين - بعد ذلك ما كان لكم أن تخافوهم وإنما عليكم أن تخافوا من الله وحده دون غيره من المخاليق.

قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} نزلت هذه الآية يوم عرفة وكان يوم جمعة، كما روى ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأول ملوك الإسلام معاوية، وترجمان القرآن عبد الله بن عباس وسمرة بن جندب رضي الله تعالى عنهم 30 - وقد تحقق إكمال الدين بكمال الإسلام في نظامه كله - هذا النظام الكبير الشاسع الذي تناول كل قضايا الحياة الدنيا يضمن للبشرية تمام السعادة في الدارين.

وكمال الإسلام حقيقة لا مراء فيها يقف عليها الدارسون وأولو الألباب والنظر ليروا عظمة هذا الدين بسعة مداه وامتداد شرعه وتفصيلاته التي غمرت الواقع كله حتى ما يكون من صغيرة ولا كبيرة من قضايا الدين والدنيا إلا وهي موضع حساب - ولم يمض رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى حتى أكمل الله دينه بكمال حدوده وفرائضه وحلاله وحرامه - فصار بذلك وافيا شاملا مراعيا لفطرة الإنسان تمام المراعاة - ولا جرم أن يكون ذلك جوهر الصلوح الأبدي لهذا الدين الحنيف السمح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت