أما ما تقع به الذكاة، فقد ذهب الجمهور إلى أن كل ما أفرى الأوداج وأنهر الدم فهو مما يصلح أن يذكى به ما عدا السن والعظم فلا يجوز التذكية بهما - على أن كيفية الذكاة موضع خلاف، فقد قال الإمام مالك: لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين - وقال الإمام الشافعي: تصح الذكاة بقطع الحلقوم والمريء من غير حاجة إلى قطع الودجين - فالواجب عنده لتصح التذكية قطع المريء والحلقوم فقط - أما الإمام أبو حنيفة فالواجب عنده في التذكية هو قطع ثلاثة غير معنية من الأربعة، فإما الحلقوم والودجان، وإما المريء والحلقوم وأحد الودجين، وإما المريء والودجان.
وثمة مسألة وهي الجنين إذا خرج بعد ذكاة أمه ميتا فإنه يحل أكله، ذلك أن ذكاة الأم ذكاة لجنينها وهو مذهب جمهور العلماء - وقال به مالك والشافعي واستدلوا على ذلك بما أخرجه الدارقطني من حديث أبي سعيد وأبي هريرة وعلي وعبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ذكاة الجنين ذكاة أمه"- وقالت الحنفية: إذا خرج ميتا بعد ذكاة أمه فهو ميتة لا يحل أكله 24.
عاشرا: وما ذبح على النصب - والنصب حجارة كانت حول الكعبة، قيل: ثلاثمائة وستون نصبا كانت العرب في الجاهلية يذبحون عندها وينضحون ما أقبل منها إلى البيت بدماء تلك الذبائح ويشرحون اللحم ويضعونه على النصب، فنهى الله المؤمنين عن فعل ذلك وحرم عليهم أكل الذبائح التي ذبحت عند النصب حتى لو ذكر عليها اسم الله عند الذبح عند النصب 25 - وقيل، النصب بمعنى الأصنام، لأنها تنصب فتعبد من دون الله - والراجح أن النصب أحجار كان الجاهليون ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون عندها للأصنام، ويلطخونها بالدماء، ويضعون اللحوم عليها، وهو نظير القول الأول.
وقوله: {على} فيه وجهان، أحدهما: أن على بمعنى اللام - أي ما ذبح للنصب، أو من أجل النصب.
ثانيهما: أنها على أصلها، والمعنى ما ذبح على اعتقاد تعظيم النصب 26.
قوله: {وأن تستقيموا بالأزلام} الأزلام جمع زلم وهو القدح - أي وحرم عليكم الاستقسام بالأقداح - وذلك أنهم كانوا إذا قصدوا فعلا ضربوا ثلاثة أقداح، مكتوب على أحدهما:"أمرني ربي"- ومكتوب على الثاني"نهاني ربي"- وأبقوا الثالث غفلا لم يكتب عليه شيء - فإن خرج الآمر مضوا لحاجتهم - وإن خرج الناهي لم يمضوا - وإن خرج الغفل أجالوها مرة ثانية، والاستقسام بالأزلام معناه: طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم لهم وذلك عن طريق الأزلام 27.
وقيل: المراد قداح الميسر وهي عشرة، سبعة منها فيها حظوظ، وثلاثة أغفال وكانوا يضربون بها مقامرة لهوا ولعبا - وقيل: الأزلام هي كعاب فارس والروم كانوا يتقامرون بها - وقيل: هي الشطرنج والاستقسام بهذا كله هو طلب القسم والنصيب، وهو من أكل المال بالباطل وهو حرام - ونظير ذلك كل مقامرة بحمام أو نرد أو شطرنج أو بغير ذلك من هذه الألعاب فهو استقسام بما في معنى الأزلام - فهو حرام كله - وهو ضرب من ضروب الكهانة والتشبث بدعوى علم الغيب 28.
وربما قيل: إن هذه الأعمال من باب الفأل - ومثل هذا القول باطل، فإن الاستقسام بالأزلام على اختلاف صورها وضروبها ليس من الفأل في شيء - وإنما ذلك استشارة مع الأصنام واستعانة بها - ودل على هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم إذا أرادوا ذلك أتوا بيت أصنامهم وفعلوا ما فعلوا، فلهذا صار حراما.