فهرس الكتاب

الصفحة 999 من 2536

وكذلك فإن إيمانهم بالآخرة مريب ومصطنع؛ فقد أنقل عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يعتقدون البعث الروحاني - ومثل هذا التصور لا يستحق مجرد التسمية بالإيمان؛ لأن ما يتقولونه ويهرفون به ليس إلا ضربا من التصور المريض الواهم، أو الحلم المطوح في الخيالات من عالم اللاشعور - وليس ذلك من الإيمان في شيء.

قوله: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم، إذ لم يتبعوا دينه ولا شريعته ففيهما ما احل الله ورسوله أو حرم - وقيل: المراد بالرسول رسولهم الذي يزعمون أنهم يتبعونه؛ فإنهم بدلوا شريعته، واحلوا ما حرم الله عليهم وحرموا ما احل الله لهم - وكل ذلك من عند أنفسهم اتباعا لأهوائهم؛ فهم بذلك لم يتبعوا شريعة الإسلام القائمة على الكتاب والسنة، ولم يتبعوا شريعتهم المنزلة على رسلهم؛ فهم بذلك غير مؤمنين إيمانا صحيحا لا بشريعتنا ولا بشريعتهم الخالصة المبرأة من التزييف والتحريف، فما يزعمون لأنفسهم من إيمانا بما ليس له وزن أو اعتبار لما بيناه؛ فوجب بذلك قتالهم.

قوله: {ولا يدينون دين الحق} أي الدين الثابت الكامل، الدين الحقيق الصحيح الذي تصلح عليه البشرية طيلة الدهر، الدين الذي تجتمع فيه مزايا الصلوح للحياة في كل مكان وزمان؛ وذلكم هو الإسلام دون غيره من الأديان والملل والشرائع - لكن أهل الكتاب إنما يدينون ما تسوله لهم أهواؤهم وغرائزهم وشهواتهم ومنافعهن الدنيوية؛ فهم بذلك دينا سماويا حقيقا سليما من التلاعب والتبديل، وما يزعمونه أنهم أهل كتاب ليس إلا التوهيم المكشوف الذي لا يخفى على أحد، وهو ليس إلا التحذلق المصطنع الذي لا يغني من الحق شيئا - لا جرم أن اليهود والنصارى أبعد الناس كافة عن حقيقة التوراة العظيمة ذات التشريع الرباني النافع، وعن حقيقة الإنجيل الرفاف الساطع الذي ينهي أشد النهي عن الفساد والشر والعدوان وظلم الإنسان لأخليه الإنسان - وما نجده أو نسمعه أو نقرأه من أخبار مذهلة عن فظائع اقترافها اليهود والنصارى في حق البشرية والمسلمين خصوصا يبرأ منها كليم الله موسى وروح الله عيسى المسيح - وهي فظائع شنيعة تجعل من انتساب هؤلاء الظالمين للتوراة والإنجيل شيئا مستهجنا، مثيرا للسخرية والاشمئزاز - إن هذه الفظائع تطبع هؤلاء الجناة بطابع الوحوش الكواسر في الغابات، لا جرم أن دين موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مبرآن من أفاعيل هؤلاء الطغاة الذين نكلوا بالشعوب المسلمة تنكيلا، والذين أذاقوا المسلمين وغيرهم عبر زمان طويل أعتى النوازل والويلات، وما زالوا على هذه الحال من تقتيل للمسلمين وترويعهم في كل بقاع الدنيا.

قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} والجزية، من الجزاء وهي للإجزاء عن حقن دم الذمي - والجزية اسم مفرد وجمعه جزي مثل: لحية ولحي 48 - أما الجزية في اصطلاح الشرعي: فهي المال الذي يؤخذ بعقد من أهل الكتاب لإقامتهم بدار الإسلام آمنين، وذلك على سبيل الإسهام في بناء الدولة التي ينعمون بالأمن والخير في ظلها 49.

ممن تقبل الجزية

اجمع المسلمون على قبول الجزية من أهل الكتاب وهم اليهود ومن دان بدينهم كالسامرة الذين يدينون بالتوراة ويعملون بشريعة موسى - وكذلك النصارى وفرقهم من اليعقوبية والنسطورية وغيرهم ممن دان بالإنجيل.

أما الصابئة: فملتهم وعقيدتهم موضع خلاف؛ فقد قيل: إنهم جنس من النصارى - وقيل: إنهم من اليهود؛ لأنهم يسبتون، وقيل غير ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت