وترد هنا مسألة الخنثى فهل يورث باعتباره ذكرا أم أنثى وكيف يتحقق من نوعيته على إحدى الصورتين؟ والمسألة موضع خلاف طويل نقتصر من ذلك كله على بيان واضح ومجمل، وهو أن العلماء اتفقوا على أن الخنثى يمكن توريثه على الكيفية التي بها يبول - فإن بال من حيث يبول الرجل ورث كما يرث الرجل، وإن بال من حيث تبول المرأة ورث كما ترث المرأة - فهو معتبر على الكيفية التي بها يبول ومن ثم يكون على إحدى الصورتين إما الذكورة أو الأنوثة - وهناك أقوال كثيرة في هذا الصدد لا مجال لذكرها هنا 24.
قوله: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك وإن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس) .
المقصود بالضمير في أبويه هو المتوفى - والأبوان هما الأب والأم ولهما في الإرث أحوال:
أولها: أن يجتمعا مع أولاد الميت فيفرض لكل واحد منهما السدس - فإذا لم يكن للميت غير بنت واحدة كان لها الصنف ولكل واحد من الأبوين السدس - والسدس الآخر للأب بالتعصب فيرث في هذه الحالة بالفرض والتعصب.
ثانيها: أن ينفرد الأبوان بالميراث فيكون للأم الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب فقط.
ولو كان مع الأبوين زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة الربع - ثم ماذا للأم بعد ذلك؟ هناك ثلاثة أقوال للعلماء في هذه المسألة:
القول الأول: إن تأخذ الأم ثلث الباقي في المسألتين وليس ثلث المال كله؛ لأن الباقي يعتبر كأنه جميع المال الموروث بالنسبة لها، مع أن الله سبحانه وتعالى قد جعل لها نصف ما للأب فيكون لها بذلك الثلث وللأب الثلثان - وذلك الذي ذهب إليه جمهور العلماء.
القول الثاني: إن الأم تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله تعالى: (فلأمه الثلث) وهو قول ابن عباس وعلي ومعاذ بن جبل.
القول الثالث: إنها تأخذ ثلث جميع المال في حال الزوجة لا الزوج - وتأخذ ثلث الباقي في حال الزوج؛ وذلك لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال - فتكون المسألة هنا من ستة أسهم - للزوج النصف وهو ثلاثة أسهم - وللأم ثلث الباقي وهو سهم - وللأب الباقي وهو سهمان - ويبدو أن القول الأول هو الراجح وهو أن تأخذ الأم ثلث الباقي في الحالتين.
ثالثها: أن يجتمع الأبوان مع الأخوة سواء كانوا من الأبوين أو من الأب أو من الأم - فلا يرث الإخوة مع الأب شيئا؛ لأنه يحجبهم - أما الأم فإنهم يحجبونها حجب نقصان إذ تأخذ السدس بدلا من الثلث فيفرض لها مع وجودهم السدس ولا يرثون - وهي لا يحجبها الأخ الواحد، بل يحجبها ما فوق ذلك ليتحول فرضها من الثلث إلى السدس 25.
قوله: (من بعد وصية يوصى بها أو دين) وذلك من الحقوق المتعلقة بالتركة، فإذا مات المرء تعلقت بتركته حقوق الآخرين غير الورثة - وأول هذه الحقوق الدين الذي يشغل ذمة الميت إذا بقي إلى ما بعد الوفاة بغير أداء - ثم الوصية وهي التي وعد بها الموصي حال حياته - فكلا الحقين وهما الدين والوصية يقدمان على حق الورثة في تقسيم التركة - وليس لهم أن يطالبوا بتوزيع تركة المتوفى أو التصرف بها إلا بعد أداء الدين أولا ثم الوصية في حدود ثلث المال ثانيا.
وفي تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين في الآية ما يثير التساؤل، مع أن العلم من السلف والخلف قد أجمعوا على أن الدين مقدم على الوصية - وفي هذا المعنى أخرج أحمد والترمذي وابن ماجة عن علي بن أبي طالب قال: إنكم تقرأون (من بعد وصية يوصى بها أو دين) إن رسول اله (ص) قضى بالدين قبل الوصية.
وثمة وجوه في الحكمة من تقديم ذكر الوصية في الآية على ذكر الدين، نقتضب منها ثلاثة وجوه هي: