فهرس الكتاب

الصفحة 173 من 2536

وبالصوم تقوى الإرادة ويشتد العزم - وفي ذلك إكساب لنفس المؤمن إذ يزداد بالصوم قوة في الطبع والهمة فيكون في الحياة ثابتا صابرا متجلدا - ولا جرم أن الإرادة بالنسبة للإنسان من المذاخير الهامة التي تختزنها طبيعة الإنسان - فإنه بالإرادة يمضي في الحياة قدما دون أن تتعثر نفسه بمصاعب الطريق - وإذا منيت إرادة الإنسان بالضعف والخور بات الإنسان مخذولا ومسلوب العزم ليعيش مع المهزومين والخالفين - وليس شيء كالصوم في تقوية الإرادة وشحذ الهمة والعزم وتمكين النفس من دوام التشبث بالصبر وقوة الاحتمال.

ومن أجلى صور الفوائد للصوم أنه يهذب النفس الصائمة - ويأتي في طليعة التهذيب أن الصوم يُنمّي في النفس المؤمنة الصائمة حقيقة الوازع المرهف أو الإحساس الكبير المتواصل بصحوة الضمير ويقظة الحس الوجداني الذي يربط العبد المؤمن الصائم بربه.

وما يمضي الصائم في صومه حتى يحس بروعة الصلة الشعورية المتينة التي تربطه بربه والتي لا تقع عليها أبصار الناس أو مشاهداتهم - وإنما هي صلة ذاتية تتوطد في دخيلة الصائم وهو يحجب عن نفسه الطعام والشراب والملذات في غير ما استكراه أو اصطناع، ولكن عن رغبة وافية فياضة وعن توجه مطمئن طائع إلى الله وحده.

ومن أجل ذلك فقد استخلص الله الصوم بالذات من بين العبادات ليكون له سبحانه؛ لما فيه من سرية مستورة لا يطلع عليها أحد سوى الله - فقد ثبت في الحديث الشريف عن النبي (ص) أنه قال مخبرا عن رب العزة جل وعلا:"يقول الله تبارك وتعالى: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".

وما يجده الصائم لدى الإفطار من أمن النفس وسكينتها فإنه أمر محسوب - وذلك فيض من رحمة الله يسكبها في قلوب الصائمين وهم يحسون بكامل الراحة والرضى والحبور ساعة الإفطار، أن وفقهم الله لتمام الصيام بعد أن أمسكوا بخطام الشهوة واستحوذوا على زمام النفس فكانوا من الناجحين في هذا الامتحان القاسي - وفي ذلك يقول النبي (ص) :"للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه".

ويخاطب الله في الآية عباده المؤمنين أنه فرض عليهم الصيام كما فرضه على الأمم من قبلهم، وقوله: (كما كتب) الكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف تقديره"كتابا"أي كتب كتابا كما - وقيل في محل نصب على الحال من الصيام 199.

وقد جاء في كيفية صيام الذين من قبل هذه الأمة أقوال كثيرة - فقد قيل: كانوا يصومون أياما ثلاثة ويوم عاشوراء من كل شهر - وقيل: كانوا يصومون خمسين يوما في كل عام - وقيل غير ذلك مما لا نستطيع أن نركن إليه، لكن المهم في الآية أن الله جلت قدرته فرض الصيام على هذه الأمة مثلما فرضه على الأمم السابقة.

وبذلك لم تكن هذه الأمة وحدها مكلفة بالصيام.

كذلك فإن المقصود بزمن الصوم الذي ذكرته الآية هو شهر رمضان بقوله بعد ذلك (شهر رمضان) مع أن فريقا من العلماء قالوا: إن المقصود هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر - وفي تقديرنا أن هذا القول مرجوح فإن المقصود هو الشهر الكريم المعروف والذي بينته الآية 200.

وقوله: (لعلكم تتقون) الترجي هنا في حق الصائمين - فهم يصومون راجين أن يكونوا بالصيام من المتقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت