قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} يقصد بواو الجماعة في قوله: {وقالوا} النصارى؛ إذ ذهبوا إلى أن عيسى ابن الله - وقيل: بل المقصود اليهود؛ إذ قالوا:"عزيز ابن الله"وقيل كذلك إنهم العرب الذين جعلوا بين الله والجنة نسبا، فقالوا: إن الملائكة بنات الله - ويصلح أن تتناول الآية كل أولئك المشركين ومن هم على شاكلتهم ممن يجعلون لله سبحانه ولدا، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وسبحانه مفعول مطلق يعنى التقديس والتنزيه لله عن نقيصه البنوة والوالدية، فإن الله جلت قدرته متنزه عن الضعف بكل صوره ومظاهره وأشكاله - ومن جملة ذلك اتخاذ الصاحبة- وهي الزوجة- أو اتخاذ الولد؛ فإن ذلك عنوان الضعف الذي لا يليق بجلال الله وعظمته التي تعلو على كل مظهر من مظاهر النقص أو الضعف.
ومن المعلوم يقينا أن يستشعر الإنسان بعواطفه الضاربة في أعماقه وعروقه حاجته للآخرين، ونخص بالذات حاجته للزوج يشاركه الحياة والعيش ويشاطره الحبور والمضاضة، ويرد عنه مرارة الإيحاش الذي لا يطاق - وكذلك حاجته للولد يستأنس بكلماته العابثة المستعذبة وهو طفل صغير، ويشتد به أزره وهو شاب قوي كبير، ثم يحس أن فيه امتدادا لحياته بعد الممات.
وهذا الإحساس كله لا جرم أن يزجي بالدليل على ظاهرة الضعف التي تخالط طبيعة الإنسان على وجه الأرض - وحاشا لله سبحانه أن ينسب إليه مثل هذا الإحساس، أو أن يُفتات 102 على جلالة وسلطانه بمثل هذا الافتيات الفاسد المقبوح - وهو افتيات لا جرم يثير غضب الرب ويبعث على سخطه واشتداد مقته والعياذ بالله.
قال سبحانه في مثل هذا الموقف: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إذا تكاد السماوات يتقاطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هذا أن دعوا للرحمان ولدا} .
ويقول النبي الكريم (صلى الله عليه وسلم) :"قال الله تعالى: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشمتني ولم يكن له ذلك، فأما: تكذيبه إياي فيزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله إن لي ولدا فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا"103.
إن الله جلت قدرته غني عن الصاحبة، وغني عن الولد، وغني عن الخلائق كافة - وهو سبحانه يملك الخلائق كافة، بل يملك الحياة والوجود جميعا، وكل ما في الوجود إنما يدور بأمره وتقديره، وهو صائر إلى مآله المقدور {بل له ما في السماوات والأرض} كل ما في الكون مملوك لله - كل ما في الأرض وما في السماوات من خلائق وكائنات أحياء وغير أحياء لهو مملوك لله وحده دون شريك من صاحبة أو ولد أو والد - فهو تباركت أسماؤه المتفرد في ملكوت هذا الوجود، فهو المالك لكل مالك، والأكبر من كل كبير - سبحانه.
وقوله: {كل له قانتون} قانتون مفردها قانت - وهو من القنوت بمعنى الطاعة والإحساس الكامل بالعبودية والخضوع لله 104 - ذلك أن كل ما في السماوات والأرض مطيع لله مقر له بالوحدانية.
وقد يتساءل متسائل من غير المؤمن كيف يُحتسبون في عداد القانتين؟
التأويل المناسب لهذا المسألة أن غير المؤمنين من البشر والجن يحتسبون مطيعين بالنظر لطبيعتهم التي خُلقوا عليها - وهي طبيعة التكوين التي يمضي على أساسها الكائن في حياته، ولا يستطيع أن يتحول عنها البتة - فهي طبيعة أصيلة مفطورة كانت من صنع الله ومن تقديره الذي لا يتخلف.