أما الإماء أو ملك اليمين أو الجواري فإن ذلك كله ناشئ عن موضوع رئيس قد استغله الخصوم أبشع استغلال وذلك هو نظام الرق - ومن الحقيقة المغمورة التي تخف على كثير من الناس أن الإسلام قد عالج مسألة الرقيق على خير ما يكون عليه العلاج، عل نحو يستأصل هذا النظام من أساسه لو قدر للإسلام أن يظل مهيمنا على الحياة ومؤثرا في المجتمع من غير إعاقة ولا تعثير.
وحقيقة المسألة أن نظام الرق كان متفشيا في العالم كله في غير ما غرابة أو استقباح - فقد كان من الأمور العادية تماما أن ينتشر الرقيق والإماء في كل مكان، سواء كان ذلك في البيت أو الحقل أو دوائر الدولة - حتى يمكن القول بأن هذا النظام كان يمثل الدعامة الأساسية التي يستند إليها النظام الاقتصادي والاجتماعي لدى المجتمعات في الأزمنة الخالية - لقد كان نظام الرق مشروعا ومعتبرا لدى جميع النظم والشرائع والأديان التي سبقت الإسلام - فلم تنكره التوراة ولا الإنجيل ولا شريعة حمورابي ولا مذهب كونفوشيوس ولا فلسفة الإغريق وعلى رأسهم أرسطو وأفلاطون لم يستنكر هؤلاء نظام الرقيق، بل العكس هو الذي كان واقعا - فلقد كان نظام الرقيق يحظى بتقدير وإقرار العلماء والفلاسفة والمشرعين في الأزمنة الخالية جميعها - وهنا يأتي دور الإسلام في المسألة - فقد جيء بالإسلام إلى هذه الدنيا وهي على حالها من تفشي ظاهرة العبيد في كل مجالات الحياة - ومن العسير البالغ أن يعمد الإسلام لتحريم الرق طفرة واحدة من غير توطئة ولا مقدمات - ولو عمد الإسلام لهذا التحريم أول مقدمه لكان في ذلك مدعاة لانهيار اجتماعي ونفسي مرير لا يطاق - لكن الإسلام وهو يعالج مسألة الرق قد سلك في ذلك سبيلين يؤديان إلى زوال هذا النظام بالكامل ثم الخلاص نهائيا من الرق وما يتعلق به من توابع وذيول.
السبيل الأولى:
وهي تبديد أسباب الرق للقضاء على كل مظاهره ووجوده - وفي ذلك استئصال لمنابع هذا النظام من جذوره بإبادة كل مقدماته ودواعيه التي تؤول إليه - يتبين ذلك في تحريم أسباب الرق كتحريم الإسلام للظلم والاستعباد بغير حق أو إيجاب الانتظار من الدائن للمدين حتى المسيرة فلا يسترقه مقابل دينه الذي يعجز عن أدائه - قال سبحانه: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إل ميسرة) - وكان من عادة العرب الجاهلين إذا استقرض منهم الفقير مالا ولم يستطع أن يؤديه عند حلول أجله، استرقه الدائن في مقابل دينه - لكن ذلك في الإسلام محظور البتة وعلى الدائن أن ينتظر حتى ميسرة المدين.
وعلى هذا فإن نظام الرق لا يلبث أن يتبدد ويتلاش مع مرور الزمن مادامت أسبابه وبواعثه قد أوقفت، أو مادامت أبوابه التي تؤدي إليه قد أوصدت، نتصور ذلك ونحن نتخيل نهرا كبيرا جاريا له روافد عديدة تمده بالأمواه من كل مكان حتى إذا تلاقت جميعا تمخضت عن نهر كبير جار - ولا سبيل إلى تجفيف هذا النهر الكبير إلا إذا عولنا عل تجفيف روافده وأسبابه - وتلك هي الحال بالنسبة للرق الذي كانت له دواع ومؤديات كثيرة قد عمد الإسلام من أول يوم لإيقافها وتحريمها كيما يتسنى لهذا النظام أن يتلاش ويضمحل.
السبيل الثاني:
وهي التحرير أي تحرير الرقاب المسترقة من إسار العبودية إلى حيث الانعتاق والحرية - وللإسلام في ذلك دوره العظيم فيما يتعلق بتحرير الرقيق نهائيا - وقد تجلى ذلك في دعوة الإسلام من أجل إعتاق العبيد حتى أقبل المسلمون جميعا في همة عظيمة ونخوة لا يحدها حد من أجل إعتاق العبيد لا لمطمع مادي أو دنيوي بل ابتغاء وجه الله ومرضاته.