قوله: (مثنى وثلاث ورباع) إعراب كل من هذه الأعداد النصب على البدل من الاسم الموصول"ما"وكل من هذه الأعداد نكرة لا تنصرف؛ لأنها معدولة من لفظها - بمعنى أم مثنى معدولة عن اثنين، وثلاث معدولة عن ثلاثة، ورباع معدولة عن أربعة - 6 وتعني الآية إباحة التعدد بالخيار من الواحدة حتى الرابعة دون زيادة - وأي زواج من خامسة مع وجود أربع زوجات فهو باطل غير معتبر ولا مشروع - ولا يدل هذا العدد الوارد في الآية وهو المثنى والثلاث والرباع على إباحة تسع زوجات بزعم أن الواو تفيد الجمع - فإن هذا الفهم فاسد؛ لمجانبته للظاهر المحكم من الكتاب والسنة ولمخالفته لما أجمع عليه سلف الأمة وخلفها مثلما هو مخالف للسان العرب - فالعرب لا تقول اثنين وثلاث وأربعة بدلا من قولها تسعة - وثمة فهم خر أشد قبحا ونكرا تمسك به بعض الروافض فقالوا بإباحة الجمع بين ثماني عشرة زوجة قائلين: إن العدد في هذه الألفاظ يفيد التكرار وأن الواو للجمع - فمثن تعني اثنين اثنين - وثلاث تعني ثلاثة ثلاثة - فأفاد ذلك إباحة الزواج من ثماني عشرة زوجة معا - وذلك مناف للشريعة واللغة في آن واحد.
وعلى ذلك فإن التحديد بأربع زوجات للإباحة أمر لا يقبل الجدال - وفي ذلك قد أخرج الإمام مالك في الموطأ وكذلك النسائي والدارقطني في سننهما أن النبي (ص) قال لغيلان بن أمية الثقفي بعد أن أسلم وله من الزوجات عشر نسوة:"اختر منهن أربعا وفارق سائرهن".
وأخرج أبو داود في سننه عن الحارث بن قيس قال: أسلمت وعندي ثماني نسوة فذكرت ذلك للنبي (ص) فقال:"اختر منهن أربعا".
أما ما أبيح للنبي (ص) فوق أربع فإن ذلك من خصوصياته وذلك أمر مبني على بواعث وأسباب فرضتها اعتبارات شتى من التشريع الذي يتعلق بهدم لمفاهيم وتصورات جاهلية، أو التحبب لمختلف بطون العرب ورجالاتهم ذوي الصولة والمكانة، أو الحدب على المضيعات من النساء المسلمات اللواتي انقطعت بهن الأسباب بعد ممات أزواجهن فتعرضن للفتنة والضياع وغير ذلك من الاعتبارات التي تحركها المصلحة العليا للدعوة الإسلامية.
وبذلك فإن الاحتجاج بزواج النبي من تسع لا يصلح دليلا في هذا المجال - أما قولهم بأن الواو جامعة فإن ذلك مخالف لقواعد اللسان العربي السليم - فالله سبحانه قد خاطب العرب بأفصح اللغات ولا يعقل أن تقول العرب اثنين وثلاثة وأربعة ولا تقول تسعة - والصحيح أن الواو في هذا الموضع تعني البدل فيكون المعنى: انكحوا ثلاث بدلا من مثنى، ورباع بدلا من ثلاث.
وكذلك قولهم بأن العدل يفيد التكرار تنفيه أبسط أساليب اللغة - فالعرب لا تقول أربعة ستة ثمانية بدلا من قولها ثماني عشرة.
وقوله: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة) واحدة منصوب بإضمار فعل تقديره: انكحوا واحدة - ذلك يعني أنكم إن خشيتم عدم العدل بين الزوجات من حيث النفقة والقسم والعشرة والجماع (فواحدة) أي ينبغي الوقوف عند واحدة دون غيرها؛ كيلا يكون في التعدد حيف أو مجانبة للعدل - وقرئت واحدة بالرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف - والتقدير: فهي واحدة - 7
وقوله: (أو ما ملكت أيمناكم) يريد بذلك الإماء - أي يجب الاكتفاء بواحدة أو ما تيسر من الإماء وهن ملك اليمين - ويجدر بنا أن نقف هنا وقفة لنبيّن مسألة ظالما خاض فيها المبطلون والجاحدون ليثيروا حول الإسلام الظنون والشبهات، وليبعثوا في نفوس المسلمين كل ظواهر الشك والوهن.