ومن جهة أخر فإن الإسلام دين صريح ومستبين، يخاطب الإنسان عل نحو مكشوف وواضح وبغير مواربة أو ازورار - ذلك أن الإسلام يعترف للإنسان بما ركّب فيه من شهوات مركوزة فهو (الإسلام) يدعوه للأخذ بحظه من هذه الشهوات بعيد عن التحيل أو التدسس في الظلام - إن الإسلام بذلك يدعو بكل صراحة لا تعرف المجاملة أو التكلف إلى أن يمارس الإنسان الشهوة بالطريقة المشروعة الحلال من خلال التعاقد المشهود عل ملأ من الناس - أما أن تكون ممارسة الشهوة في غياهب الظلام وفي بطون المواخير حيث التلصص والخيانة وموات الضمير فذلك ما يأباه الإسلام ويعلن عليه الحرب والنكير - نقول ذلك ونحن نقف على حقائق مذهلة من أفاعيل الأفاكين دعاة التحرر الذين يعيبون على الإسلام صراحته النظيفة في التعدد مع أنهم مرتكسون في حمأة الأوساخ والقاذورات التي تتلطخ بها بيوت الدعارة والخنا ومواخير الفاحشة والرذيلة - وهذه هي الصورة التي يرتضيها المفسدون دعاة التحرر ويدعون لتطبيقها خيانة في الظلام وممارسة الرذيلة في خسة مخبوءة في أوكار الوحل والدنس - أما أن يتم ذلك بالتعاقد المشروع المشهود من خلال نكاح شرعي حلال فإن ذلك أمر مشين ومقبوح يعيبه المفسدون دعاة التحرر المبتذل!! إن هؤلاء لا يعارضون أن يقارف الرجل الشهوة مع عشرات النساء في المواخير وبيوت الدعارة، أم أن يمارسها في زواج ثان مشروع ومحسوب فذلك تأخر ورجعية كما يتصور الأفاكون المضللون!!
ثم متى يقع الحيف على الزوجة الثانية الجائية من جراء التعدد في الزواج؟ إنه لم يوقع أحد عليها حيفا؛ لأنها ارتضت الزواج بنفسها من غير قسر أو إكراه - ولو أن شيئا من القسر أو الإكراه قد وقع عليها حين الزواج لجاز أن تعتبر محيفة لكنها هي التي ارتضت لنفسها ذلك بمحض رغبتها ومطلق إرادتها.
أما الزوجة الأولى التي قد جيء إليها بضرة فإنها ليس لها أن ترفض حقا لزوجها لتحرمه من التمتع به تحت مختلف الأحوال والظروف كما بينا آنفا - لكنها إن وقع عليها حيف بسبب هذا الزواج وكان الحيف حقيقيا وخطيرا ومتعمدا من الزوج نفسه بحيث يترتب عليها من ذلك ضرر كيفما كان، فإن لها أن ترفع الأمر إل القضاء - وشأن القاضي في ذلك أن يرفع عنها الضرر حتى ولو أد ذلك إلى التطليق.
بعد هذا الكلام لا نتصور أن حيفا أو ضررا حقيقيا يقع على إحدى الزوجتين - ولو أن شيئا من ذلك وقع فإنه لا يساوي حيفا أو ضررا يحيق بالرجل من جرّاء إكراه على الاكتفاء بواحدة مهما تكن الظروف - لا جرم أن إكراهه في ذلك مدعاة لكثير من احتمالات الجنوح وفساد النفس والأعصاب.
ولا نتصور كذلك أن مثل هذه الشبهة غير اجترار تلغط به حناجر الذين يكرهون الإسلام لدوافع شتى منها الحقد أو الحسد، ومنها التقليد في نعيق سفيه أعمى للأجانب من شرقيين ملاحدة أو غربيين صليبيين واستعماريين وجميعهم يلتقون على صعيد الحقد والكراهية للإسلام والمسلمين.
قوله: (فأنكحوا ما طاب لكم من النساء) قد يرض سؤال هنا: كيف جاءت"ما"للادميين مع أنها تستعمل لغير العاقل - فقد قيل في ذلك عدة أقوال لعل خيرها أن"من"و"ما"قد يتعاقبان - ومثل ذلك قول الله سبحانه: (والسماء وما بناها) أي ومن بناها - وقوله أيضا: (فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي عل رجلين ومنهم من يمشي على أربع) - وعلى ذلك فإن هذين الاسمين يتعاقبان وقيل: (ما) هنا للصفة أي انكحوا الطيب من النساء أي الحلال والأمر في قوله: (فأنكحوا) للإباحة لا للوجوب على الأرجح - أي أن الله جلت قدرته قد أباح للمؤمنين الزواج ممن يحل من النساء - فقد اكتفى بذكر من يجوز نكاحها؛ لأن المحرمات من النساء كثير.