أما تعدد الزوجات فهو حقيقة صريحة لا تقبل المواربة أو التأويل المتكلف - وهو كذلك إجراء إسلامي ممتاز يحسب للأمور والأحداث والظروف كل حساب - وليس الإسلام قاصرا عل أمة معينة ولا هو رهن بفترة من الزمان تمر كأي زمان - ولكن الإسلام دين البشرية مهما ازدادت أو انتشرت وهو كذلك دين الزمان كله إلى أن ينتهي الزمان كله - وعلى ذلك فإنه قمين بالإسلام أن تتحقق فيه كل عناصر الحيطة والتحسب لكافة الأحوال والملابسات فردية كانت أم جماعية كيلا يقف عاجزا عن مراعاة الظروف مهما امتدت أو الفطرة كيفما تباينت أو تفاوتت.
والإسلام بطبيعته دين وسط يقوم على الاعتدال والتوازن ويجانب التفريط أو المغالاة - فهو لا يفرض الزواج من واحدة فقط مهما تكن الظروف، وهو لا يدع أمر النكاح بغير ضبط أو تحفظ، فلا تفريط يحمل بواعث الضيق والتنطع والإحراج، ولا إفراط أو مغالاة تسوق إلى الإسراف في تلفت وتسيب - بل إن الإسلام يقف من هذه المسألة الخطيرة خير موقف وينتهج أسلم أسلوب - فهو يدعو إلى الزواج أولا ويحذر من التبتّل والعزوبة - فإن كانت الحال عل السلامة والوئام بحيث يغمرها الرضى والطمأنينة والقناعة فبها ونعمت - أما إن كان ثمة ظروف ملحة تفرض شيئا من التعدد تحت اعتبارات شتى فلا مناص إذ ذاك من اللجوء إلى التعدد - وتلكم هي الاعتبارات أو بعضها:
أولها: المرض العضال يصيب الزوجة فيقعدها عن الالتزام بمهام الزوجية وفي مقدمتها المسيس - ولا يستطيع الزوج في حالة كهذه أن يطل مضطلعا بمشقة الاصطبار إلى زمن طويل حتى إنه يخشى عليه من التورط في أسباب العنت والانزلاق إذا ما سدت في وجهه سبل الزواج من أخرى.
ثانيها: العقم فقد تكون المرأة عقيما لا تلد - وفي ذلك من المضايقة والحرج ما لا يخفى إلا إذا أبيح للزوج أن ينكح أخرى عسى أن يرزق النسل - والإنسان مفطور على حب النسل، وهو تظل تخالطه نسائم الشوق والحنين لأبناء وأحفاد تقرّ بهم عينه وتطمئن لهم نفسه - وعلى ذلك فإن من أشد ألوان المرارة التي تحيق بالنفس البشرية أن تسأم التشريع الذي يحرم عليها سببا يقود إلى النسل.
ثالثها: الحرب - وتلك حقيقة لا شك في وقوعها بين الحين والآخر - ذلك أن البشرية دائمة التطاحن والاقتتال المدمر - والشعوب والدول إذا ما اختلفت فإنها لا تتردد في اللجوء إلى أقسى السبل لفض المشكلات والخلافات، وهي الحرب - وهي سبيل معلومة في العود على البشرية والمجتمعات بالقتل - ولا ريب أن يكون القتل في الرجال من أبرز مظاهر الحرب - الحرب التي تذهب بالرجال وتستبقي النساء لأنهن لطبيعتهن أقل اضطلاعا بواجب القتال - وفي ذلك بيان واضح في اختلال النسبة بين الرجال والنساء من حيث العدد، فلا مناص عندئذ من معالجة الموقف بغير التعدد في الزواج، وإلا وقعت مشكلات اجتماعية ونفسية خطيرة لسوف تفضي في الغالب إلى مفاسد وانحرافات.
رابعها: التباين بين الأفراد من حيث المطلب الغريزي - بمعنى أن ثمة تفاوتا متحققا بين الرجال في الرغبة - والناس في أمور الحياة كلها متفاوتون، فهم متفاوتون من حيث أخلاقهم وأمزجتهم، و من حيث طاقاتهم ومهاراتهم و من حيث قدراتهم العقلية والنفسية والروحية والبدنية ' ومن حيث رغائبهم في المال أو البنين أو الطعام - وهم كذلك متفاوتون من حيث رغائبهم في شهوة الجنس - إذ يفترقون في هذا المجال لتتراوح النفوس والرغبات بين الفتور أو الاعتدال أو الشدة - وتلك هي سنة الله في الناس والخلائق أجمعين.