فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 2536

وقد أنزل الله الكتاب على النبي بالحق - ويعني ذلك أنه هو نفسه الحق المبين الذي لا يعتريه باطل على الدوام ولا يأتيه كذلك باطل من بين يديه ولا من خلفه؛ لأنه حق بإطلاق - وهو كذلك قد جاء من طريق حق لا زيف فيه ولا تخويف، وهو طريق الوحي الذي يتنزّل على النبيّين والمرسلين ليبلغهم أمانة السماء للبشر - وهي أمانة كلها حق وتتناول في مضمونها ودخائلها صورة وافية شاملة للحق في أصالتها ومعناه وفي جوهره ومبناه - وأخيرا قد تنزل هذا الكتاب الكريم من أجل الحق كيما يتجلّى ويظهر ومن أجل أن يستقيم الناس في عامة أمورهم وأحوالهم ومعايشهم فتكون على الحق ومن أجل أن يتبدد الباطل فتغيب عن وجه الأرض سحائبه القاتمة العبوس ويستقر مكانه الحق على تعدد ضروبه من تشريع وقوّة وخلق ومودة وتعاون.

والسبب في نزول هذه الآيات كان غاية في الروعة التي يحققها الإسلام بعقيدته وتشريعه الذي يوجب العدل مهما تكن الظروف في غير ما ميل، ولو كان صاحب الحق صعلوكا أو عبدا أو يهوديا أو نصرانيا وكان الخصم عظيما أو حاكما أو ذا فضل أو قرابة.

وسبب النزول تحكيه لنا كتب السنة لنعلم أي قمة في العدل والاستقامة تبلغها كلمة الإسلام عندما يتحقق في الأرض تنفيذا وتطبيقا - وخلاصة ما رواه الترمذي في صحيحه وابن جرير الطبري في تفسيره بإسناد عن محمد بن مسلمة الحرّاني أنه قد رفع إلى النبي (ص) أمر بني أبيرق وكانوا ثلاثة أخوة: بشر وبشير ومبشّر، ومعهم أسير بن عروة وهو ابن عم لهم نقبوا مشربة (غرفة) لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما فعثر على ذلك - وقيل: السارق بشير وحده اخذ درعا قيل إنه كان في جراب فيه دقيق فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره فجاء ابن أبي رفاعة واسمه قتادة يشكوه إلى النبي (ص) فجاء أسير بن عروة إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بيّنة وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله (ص) على قتادة ورفاعة فأنزل الله تعالى: (ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم) وأنزل الله تعالى: (ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا) وكان البريء الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل وهو يهودي - وقيل عن بشير أنه كان رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي (ص) ويقول فيهم الشعر ثم ينحله لبعض العرب ثم يقول: قال فلان كذا وكذا - فإذا سمع أصحاب النبي (ص) ذلك الشعر قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث، وهم يعنون بذلك بشيرا - وفي رواية أخرى لابن عباس أن سارق الدرع هو طعمة بن أبيرق وأنه هو الذي ألقاها في بيت رجل بريء.

وهذه القصة تدل على رائعة من روائع الإسلام - وهي رائعة العدل المطلق في سائر الأحوال والمقتضيات ومهما تكن الظروف - وهو عدل حقيقي مطلق قد مارسه المسلمون إباّن سلطانهم الغابر وهم يحكمون البشرية بما أنزل الله - أو وهم يسوسون الناس بكلمة الله التي لا تعرف الميل أو المحاباة أو الحيف والجنوح.

إن العدل الذي يفرضه الإسلام ويوجب تحقيق في الأرض لهو القمّة في الاستقامة والنصفة بما لا قبل للبشرية والأجيال به! ذلك أن العدل الذي ينبثق عن الإسلام إنما ينبثق عن العقدية الراسخة الضاربة في أغوار النفس من الإنسان، وهي عقيدة تقوم على الحق والعدل بإطلاق لا يعرف القيود فلا غرو بعد ذلك أن تبلغ العقيدة بالإنسان صورة سامقة فذة لا تعرف الحدود 152.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت