والله جل جلاله منزّه عن معالم الضعف والنقص التي تمتزج بطبع الإنسان وتكوينه النفسي والعصابي والبدني، وذلك كالإحساس بالنعاس والجنوح للنوم إخلادا للراحة - فإن الله سبحانه لا يعتريه شيء من ذلك فهو القائم على الخلق مدبّرا أمرهم متصرفا في مقاديرهم - وقد جاء في الصحيح عن أبي موسى قال: قام فينا رسول الله (ص) بأربع كلمات فقال:"إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل وعمل الليل قبل عمل النهار، حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".
وقوله: (له ما في السماوت وما في الأرض) (له) جار ومجرور في محل رفع خبر مقدم، (ما) اسم موصول في محل رفع مبتدأ - وما، مع أنها لغير العاقل لكنها والاسم الموصول"من"يتعاقبان في القرآن من حيث الاستعمال في العاقل أو غيره.
والآية إخبار كبير بأن الله له الربوبية المطلقة في هذا الوجود؛ فهو الذي يملك كل ما في الكون من كائنات وأشياء، فلا يندّ عن سلطانه وملكوته شيء مما خلق سواء في الأرض أو في السماء.
وقوله: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (من) اسم استفهام في مجل رفع مبتدأ - (ذا) اسم إشارة في محل رفع خبر - (الذي) اسم موصول في محل رفع نعت للخبر، وقيل بجل منه.
في هذه الآية إنكار لشفاعة الشافعين باستثناء فريق من البررة والأطهار أذن الله لهم بالشفاعة للعصاة والآثمين والمفرطين من الناس - وجملة الشافعين الذين أذن الله لهم أن يتشفعوا يوم القيامة للمقصرين يأتي في طليعتهم النبيّون وهم خير البرية وأشرع العباد، ثم الصدّيقون وهم المقربون والأبرار من عباد الله المؤمنين، ثم العلماء الذين انقطعوا للعلم وتشره بين الناس؛ ليبصّروهم بتعاليم الله؛ وليكشفوا للبشرية عن وجه هذا الدين وما فيه من إشراق وكمال وجمال، ثم الشهداء وهم الذين باعوا أرواحهم في سبيل الله فآثروا الرحيل عن هذه الدنيا لتبقى من بعدهم عقيدتهم والأوطان والديار والكرامة، لا يبتغون من ذلك كله غير مرضاه الله.
على أن الشفاعة من الأبرار والمقربين لا تنبغي إلا لمن يشاء الله ويرضى، فهي أساسها أن يأذن الله بها لمن يريد من عباده المقربين وفي ذلك يقول سبحانه في آية أخرى: (وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى) وكذلك قوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) .
قوله: (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) (ما بيت أيديهم) أي قبلهم - (وما خلفهم) أي بعدهم - نقول: من بين يدي أي من أمامه - ومن خلفه أي من ورائه - والمراد أن الله تباركت أسماؤه محيط علمه بالكائنات كلها، سواء فيها ماضيها أو مستقبلها - والضمير في (أيديهم) و (خلفهم) يعود على كل عاقل مما في السماوات والأرض - وقيل: (ما بين أيديهم) والمقصود به الدنيا - (وما خلفهم) المقصود به الآخرة.
وقوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما يشاء) أي لا يطلع أحد على شيء من علم الله المبثوث في مناحي الكون وفي أطرافه إلا أن يشاء الله إطْلاعه على ذلك، فكل علم كيفما كان مقداره أو نوعه إن هو إلا جزء من علم الله المطلق الذي لا يحده حد، فالله مالك كل شيء، وهو مالك لأرجاء الكون وما ينتشر فيه من علوم، فلله المشيئة الكاملة في أن يهب بعض علمه لمن أراد من الناس أو يحجبه عنهم.