فهرس الكتاب

الصفحة 1618 من 2536

جاء في سبب نزول الآية ما رواه الطبري وغيره عن عدي بن ثابت قال: جاءت امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إني أكون في بيتي على حال لا أحب أن يراني عليها أحد لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل علي - وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهلي وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟ فنزلت هذه الآية - وقال المفسرون: لما نزلت هذه الآية قال أبو بكر الصديق (رضي الله عنه) : يا رسول الله أفرأيت الخانات والمساكن في طرق الشام ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله تعالى (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة) 33.

ذلك بيان وجيز عن أدب السلوك الذي يتجلى في خلق المسلمين وهم يدخل بعضهم بيوت بعض - فما ينبغي لأحد أن يدخل بيتا غير بيته حتى يستأنس أي يستأذن - يقال: استأنس، أي ذهب توحشه - واستأنس، استأذن وتبصّر 34 - وعلى هذا ينبغي أن يستأذن الداخل بيت غيره ثلاث مرات، فإن أذن له، وإلا رجع أو انصرف، وقد ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له، فطلبوه فوجدوه قد ذهب - فلما جاء بعد ذلك، قال: ما أرجعك؟ قال: إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول الله (ص) يقول:"إن استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف"فقال عمر: لتأتيني على هذا بينة وإلا أوجعتك ضربا - فذهب إلى ملأ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر - فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا - فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك - فقال: ألهاني عنه الصفق 35 بالأسواق.

ذلك من أدب الإسلام الذي يناط بالمسلمين أن يتعلموه ويعملوا بموجبه فيما بينهم - والمسلمون في ذلك يتعاملون فيما بينهم بخلق الإسلام الرفيع - الخلق المبني على حسن السريرة وطهارة القلب وبراءته من الزيغ والمرض والسوء - فليس من سجايا المسلمين الختل والمخادعة والتلصص بالبصر - فإنه لا يمكر أحد بأخيه إلا كان في عداد المراوغين والمنافقين والخائنين - والمسلمون الحقيقيون مبرأون من مثالب الخداع والتحيّل واستراق الأبصار - وعلى هذا فما يدخل المسلم بيت غيره إلا عقب استئذان صريح وواضح لكي يتهيأ صاحب البيت فيصلح شأن نفسه لاستقبال المستأذن فلا يقع بصره على المحارم والعورات أو على ما لا ينبغي النظر إليه - وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال:"من اطّلع في بيت قوم من غير إذنهم حل لهم أن يفقئوا عينه"وقد اختلفوا في تأويل هذا الخبر - فقال بعض العلماء: ليس هذا على ظاهره؛ فإن فقأ عينه لزمه الضمان، وهذا الخبر منسوخ - وقد قيل: خرج هذا الخبر على وجه الوعيد لا على وجه الحتم - والخبر إذا كان مخالفا للكتاب الحكيم لا يُعمل به - فما ينبغي العمل بظاهر هذا الخبر بل يجب تأويله على وجه لا يخالف كتاب الله، ونظير ذلك ما جاء في الخبر أن عباس بن مرداس لما مدح النبي (ص) قال لبلال:"قم فاقطع لسانه"وإنما أراد بذلك أن يدفع إليه شيئا، ولم يرد به القطع على الحقيقة.

وقيل: المراد بالفقء ههنا على الحقيقة وليس المجاز - وعلى هذا لا ضمان ولا قصاص على الذي يفقأ من يطلع على عورة البيت ولم يستأذن - ويعضد هذا القول ما رواه الصحيح عن سهل بن سعد أن رجلا اطلع في حُجْر في باب رسول الله (ص) ومع رسول الله (ص) مدْرىً 36 يرجّل به رأسه - فقال له رسول لله (ص) :"لو أعلمُ أنك تنظر لطعنت به في عينك؛ إنما جعل الله الإذن من أجل البصر"وكذلك روي عن أنس أن رسول الله (ص) قال:"لو أن رجلا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة 37 ففقأت عينه؛ ما كان عليك من جناح".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت