فهرس الكتاب
روي في سبب نزول هذه الآية عن عبد الله بن رواحة (رضي الله عنه) أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة: اشتراط لربك ولنفسك ما شئت - فقال: (أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم) قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ فقال (الجنة) قالوا: ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل، فنزلت {إن الله اشترى من المؤمنين} الآية 207 لتحمل للمسلمين على مر الزمن وتوالي العصور والأدهار هذا الإخبار الرباني المجلجل - إخبار كريم ومؤثر وفياض فيه ترغيب للمسلمين وتحضيض على الجهاد في سبيل الله بالأنفس والأموال - وذلك لدفع الأشرار والمعتدين المتربصين، وليدرأوا عن أنفسهم المفاسد والأضرار والفتن.
ولقد جاء التحضيض هذه المرة على صورة عقد كريم متين - العاقد فيه رب العالمين جل وجلاله، والثمن فيه هي الجنة - وعي عطاء من الله كريم وعظيم ودائم، وفيه من الخير والنعمة والبهجة ما لا تقوى على تصوره طبائع البشر - والمعقود عليه في هذا العقد هو القتل أو القتال؛ فالقتال يصيب المجاهد ليحظى بالجنة - والقتال بمجرد مفض إلى نفس العاقبة من الحسنى.
وهذا المعنى الكبير يتجلى في أحسن ما تكون عليه العبارة، وأورع ما يأتي عليه الكلم من رصانة الألفاظ، وتمام الإيجاز وكمال الإعجاز، وبالغ التأثير.
وذلك كله في كلمات قليلة معدودة توحي بعظم الشأن للمجاهدين بأموالهم ولأنفسهم في سيبل الله، لا يبغون بذلك غير مرضاته سبحانه، ولا يزجي بهم إلى أرض المعركة سوى الحب لله والغيرة على الإسلام والمسلمين.
ويستوي في نيل هذا الثمن الكريم الهائل {الجنة} كل من قاتل وقتل - فكلاهما محظوظ بالفوز بالجنة ليرتع في نعيمها وما حلفت به من عطايا عظام وخيرات حسان.
قوله: {وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} {وعدا} ، منصوب على المصدر المؤكد لمضون الجملة - {حقا} لتقديمه عليه 208 - وهذا الوعد الق من الله مثبت ومذكور في الكتب السماوية الثلاثة وهي التوراة والإنجيل والقرآن - و {في} تأكيد للمؤمنين المجاهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بأن مآلهم إلى خير عاقبة وأكرم مصير وهو رضوان الله والفوز بالجنة.
قوله: {ومن أوفى بعهده من الله} استفهام على سبيل التقرير؛ أي ليس من أحد أوفى بعهده من الله جل جلاله - وقد أظهر الوعد هنا في صورة العهد؛ لأن هذا آكد وأوثق من الوعد؛ إذ الوعد في حق المخاليق جائز إخلافه عند الحاجة - لكن العهد لا يجوز إلا الوفاء به؛ إذ هو آكد من الوعد.
قوله: {فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به} ليس السنين هنا للطلب بل بمعنى افعل - وذلك كفعل الأمر: استوقد؛ أي أوقد - فيكون المعنى: اغتبطوا وابتهجوا وأظهروا السرور بما حظيتم به من فوزكم العظيم في بيعكم مع الله الذي أفضى بكم إلى الجنة - لا جرم أنه {الفوز العظيم} الذي يتضاءل دونه أيما فوز 209.
وقفة وتنبيه
قبل أن نبرح الكلام عن تحضيض الإسلام على الجهاد، نريد أن نستبق الظالمين والمبغضين والمتعصبين من أولى العقائد والملل والتصورات الضالة - أولئك الذين يستمرئون الطعن في الإسلام، والذين تعتصر قلوبهم وأعصابهم تغيظا وكراهية للإسلام وأهله - وأولئك هم الحاقدون المتربصون الجهلة الذيسن لا يعرفون عن الإسلام إلا بعض اللمامات من بسيط الكفار - ومع ذلك فغنهم يتزاحمون في الكيد للإسلام بتوجيه سهام الطعون له من أجل تشويه والإساءة إلى سمعته المباركة وقدره العظيم؛ فقد احتجوا بمثل هذه الآية ونظائرها من آيات الجهاد على أن الإسلام قد بني على الحرب والقتال والدم والعنف!!