فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 2536

إن الإسلام وهو دين الفطرة البشرية يقوم في أركانه وتفصيلاته عن عبادات وتشريع على التسهيل والتيسير ونفي الحرج - وتلك حقيقة تتجلى في طبيعة هذا الدين الميسور وهو يواكب حياة الإنسان بدءا بكونه جنينا مستورا ومرورا بمراحل حياته من الرضاع إلى الطفولة إلى اليفوع إلى الشباب إلى الشيخوخة، وانتهاء بمماته وزوال ظله عن هذه الدنيا.

إن الإسلام دين البشرية على اختلاف أجناسها وأعراقها ومشاربها طيلة الدهر وفي كل أرجاء هذه المعمورة - ومن أجل ذلك بات ضروريا أن يجيء الإسلام ميسرا غير معسر، وأن يكون أصلا قائما على قواعد من اليسر توافق طبيعة الإنسان، وتلائم فطرته التي تنفر من الإعنات والتضييق، وتضيق بالقسوة المرهقة والتنطع الممجوج.

وفي ذلك يحدثنا النبي (ص) عن هذه الحقيقة الجلية بما يكشف عن طبيعة الإسلام في التيسير - فقال عليه السلام:"إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره"222 وقال عليه الصلاة والسلام:"إن دين الله في يسر"قالها ثلاثا - وذلك بعد ما سأله الناس: علينا حرج في كذا؟ 223.

وفي حديث الأنس بن مالك أن رسول الله (ص) قال:"يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا"224.

وفيما ترويه المسانيد والسنن من حديث النبي (ص) هذا المشهور"بعثت بالحنيفية السمحة".

وعنه (ص) أنه قال:"إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولم يرد بهم العسر"225.

وقوله: (ولتكملوا العدة) أي أن الله أمر بقضاء عدة أيام لتكتمل عدة الشهر، سواء كان هذا الشهر تسعة وعشرين أو ثلاثين، فإن المهم أن يقضي المعذور ما عليه من أيام ليكتمل في حقه الشهر فتبرأ بذلك ذمته من حق الله سبحانه.

وقوله: {ولتكبروا الله على ما هداكم} فإن غالب أقوال العلماء تذهب إلى ترسيخ التكبير في عيد الفطر؛ استنادا إلى هذه الأيام - وهو قول كل مسلم في هذا اليوم: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا، لكنهم اختلفوا في حد التكبير من حيث بدايته ونهايته - فقال عبد الله بن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا - وروي عنه أيضا أن المرء يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة.

وقال سفيان الثوري: هو التكبير يوم الفطر - وقال زيد بن أسلم: يكبر المسلم إذا خرج إلى المصلى، فإذا نقضت الصلاة انقضى العيد، وهو مذهب الإمام مالك - وقيل غير ذلك - وأساس القضية تكبير الله سبحانه، ويتحقق ذلك أولا باللسان وهو يلهج بتعظيم الله جل جلاله في ترديد هذه العبارة الضخمة ذات المدلول الزاخر العظيم"الله أكبر"ويتحقق ثانيا بالقلب حيث المشاعر والوجدان والحس، وحيث الضمير وما يرسخ فيه من وازع مؤثر وإحساس مرهف هذه الجوانب الأساسية في تركيبة الإنسان تعتبر مصدرا أساسيا وعظيما تنبثق منه طاقات الإنسان وقدراته، لتبعث في الحياة زخما هائلا من الفعالية والتأثير ومن العطاء والإيجابية.

إن هذه الجوانب الهامة في الإنسان تتلاقى فيما بينها جميعا لتعلن في تصديق كامل وفي يقين ضارب في أعماق النفس أن الله هو الأكبر - فهو أكبر من كل كبير، وأنه أعظم من كل عظيم، بل إنه في عظمته وكبريائه يهون دونه كل كبير أو عظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت