ولا نريد أن نخوض طويلا في تعليل هذا الحكم، ولكننا نكتفي بالقول: إن الإنسان المسلم يؤمن بنبوة المرسلين جميعا، ويؤمن كذلك بصدق الكتب السماوية بغير استثناء، فهو بذلك يؤمن بنبوة كليم الله موسى وروح الله عيسى المسيح عليهم الصلاة والسلام، ويؤمن بما أنزل إليهما من كتاب - ومثل هذا الإيمان لهو جزء من عقيدة الإنسان المسلم فهو بذلك مكلف تكليفا دينيا أن يحوط زوجته الكتابية -يهودية كانت أو نصرانية- بالرعاية والعطف والتقدير وأن لا يحيف عليها باعتداء أو إهانة - وأي اعتداء على الزوجة الكتابية في دينها أو إهانة لها في مشاعرها الدينية فهو محرم تحريما؛ لما في ذلك من نيل من قدسية الكتاب الذي تعتقده هي ويؤمن به زوجها المسلم، ومن نيل كذلك من قدسية نبيّها الكريم الذي تنظر إليه هي بإجلال، ويؤمن بصدق نبوته زوجها المسلم، فلا خشية مع هذه الحال على الزوجة الكتابية إذا كانت في كنف الزوج المسلم وفي رعايته.
والأمر يختلف تمام الاختلاف لو تزوج الكتابي- يهوديا أو نصرانيا- المرأة المسلمة فهو أصلا لا يؤمن بدين الإسلام وهو ينكر نبوة محمد (ص) ، ويكذب كتاب الله القرآن - فمن كان هذا شأنه فأنّى له أن يكنّ من الاحترام أو التقدير للمرأة المسلمة لو كانت زوجة له - وإن لمن المعلوم أن الإنسان المسلم- والمرأة خاصة- شديد الاستمساك بعقيدته، وهو ذو شعور ديني مرهف فكيف إذا ما تسلط عليه أحد لا يستبقي في نفسه ذرة من إيمان بدينه وعقيدته (الإسلام) ؟ وكيف تكون حال المرأة المسلمة وهي في رعاية زوج كتابي يسخر من الإسلام ونبيه وكتابه؟! لا نحسب في هذه الحال إلا أن يذيقها مهانة السخرية والاستهزاء بدينها ونبيها وكتابها لتظل في كنفه جريحة الشعر والقلب بدوام اعتدائه على أروع وأغلى ما تملك وهو دينها وعقيدتها - وفي ذلك يقول سبحانه: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) أي الاستيلاء والظهور والهيمنة.
من أجل ذلك أبيح للمسلم نكاح الكتابية ومُنع الكتابيُّ من نكاح المسلمة.
قوله: (ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم) الأمة الجارية المملوكة - وهي إن كانت مؤمنة فإنها في ميزان الله خير من المشركة ذات الوسامة والحسب - ولا ينبغي للمؤمن الحريص أن يغفل حين الزواج عن الفتيات المؤمنات ذوات الخلق والعقيدة والتقوى لينصرف بهواه إلى زهرة الحياة الدنيا وزينتها فيختار من النساء ذوات الأحساب أو المال أو الجمال وهن فاسقات أو كوافر - وفي الحديث عن النبي (ص) :"لا تنكحوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تنكحوهن على أموالهن، فعسى أموالهن أن تطغيهن، وانكحوهن على الدين؛ فلأمة سوداء جرداء ذات دين أفضل"وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي (ص) أنه قال أيضا:"تُنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك".
وقد ذكر أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن رواحة كانت له أمة سوداء فلطمها في غضب ثم ندم، فأتى النبي (ص) فأخبره، فقال:"ما هي يا عبد الله"قال: تصوم وتصلي وتحسن الوضوء وتشهد الشهادتين، فقال رسول الله (ص) :"هذه مؤمنة"فقال ابن رواحة: لأعتقنها ولأتزوجنها ففعل، فطعن عليه ناس من المسلمين؛ لنكاحة أمة، وكانوا يرون نكاح المشركات رغبة في أحسابهن - وقيل في نزولها غير ذلك وكله يشهد على أن المرأة المؤمنة خير من المشركة بغض النظر عن فوارق في الحسب والجمال وغير ذلك مما يعجب كثيرا من الناس 286.