فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 2536

ومعنى الآية أن الرجل إذا طلق زوجته مرة أو اثنتين فهو عندئذ مخيّر في إرجاعها إليه على أن ينوي الإحسان في معاملتها وعدم الإضرار بها وذلك أثناء اعتداد الزوجة من الطلقة، أو أن يتركها إلى أن تنتهي عدّتها فتكون بائنة، وذلك تسريح لها على أن يكون ذلك بإحسان من غير أن يوقع عليها حيفا أو إضرارا كأن ينتقصها حقا من حقوقها - وبذلك يكون الرجل قد خسر طلقتين اثنتين، وبقيت له واحدة ثالثة وهي الآخرة - أو هي بمثابة صمام الأمان للحياة الزوجية بالنسبة للزوجين، فإذا ما انزلق لسان الرجل أو تعثّر في النطق بالطلقة الثالثة فقد انفصمت عرى الحياة بين الاثنين تمام الانفصام، وما عاد يرتجى لهم بعد ذلك تلاق إلا أن تنكح المبتوتة زوجا ثالثا يطلقها فتبين ثم ينكحها الأول، وهيهات لذلك أن يتحقق!.

وقد ذكر عن ابن عباس قوله في هذا الصدد: إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في ذلك، أي في الثالثة، فإما أن يمسكها بمعروف فيحسن صحابتها أو يسحرها بإحسان فلا يظلمها من حقها شيئا.

وفي تبيين الطلقة الثالثة في الآية سأل رجل النبي (ص) فقال: يا رسول الله أرأيت قول الله (الطلاق مرتان) فأين الثالثة؟ قال:"التسريح بإحسان الثالثة"- وفي حديث آخر أن رجلا جاء إلى النبي (ص) ، فقال: يا رسول الله ذكر الله الطلاق مرتين فأين الثالثة؟ قال:"إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان".

قوله: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) - لا يحل للزوج أن يضيّق على زوجته، وأن يسومها العسر والضجر لتفتدي منه بما أعطاها من صداق أو جهاز وغيره - وفي يقول سبحانه في آية أخرى: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) وبهذا فإن أخذ المال من الزوجة على سبيل القهر والاستضعاف أو الابتزاز وذلك بعد قهرها وإرهاقها والتضييق عليها فإنه حرام - ومن ناحية ثانية: فإنه لا يحل للمرأة أن تطلب من زوجها الطلاق أو الافتداء منه بغير عذر إلا البطر والجحود - لا تسأل المرأة زوجها شيئا من ذلك دون مبرر مقبول إلا أن تكون آثمة عاصية لربها - وفي هذا يقول الرسول (ص) :"أيما امرأة سألت زوجها طلاقها في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة".

لكن الذي عليه السلف من هذه الأمة وأئمة الخلف فيها أن الخُلع لا يجوز إلا أن يكون الشقاق والنشوز من جانب المرأة فلم تتمكن من تأدية حقوق الزوج أو معاشرته لإبغاضها له أو أنها لا تطيقه - فإنه يجوز حينئذ للرجل أن يقبل الفدية منها ثم يفارقها - وذلك هو المراد في قوله تعالى: (ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) فإذا علم كل واحد من الاثنين أنه سوف لا يقيم حق النكاح لصاحبه، فإنه لا حرج إذ ذاك على المرأة أن تفتدي نفسها بصداقها أو بعضه تقدمه لبعلها؛ كيما يسرّحها، وليس من حرج كذلك على الزوج أن يأخذ هذا المال منها مقابل تسريحها - وهذه هي المخالعة أو الخلع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت