ومعنى الدين في الآية هنا: الطاعة والذلة، وكذلك الإسلام وهو الانقياد بالتذلل والخشوع، وفعله أسلم بمعنى دخل في السلم وهو الانقياد بالخضوع وترك الممانعة - أو الاستسلام لله بالامتثال له بالطاعة والخضوع.
وقيل: الإسلام هو التسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل - ويرادف ذلك كله في الجملة ما قاله قتادة في ذلك وهو أن الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه لا يقبل غيره ولا يجزى إلا به - وهذا هو مقتضى قوله تعالى في هذه الآية: (إن الدين عند الله الإسلام) أي لا دين مرضي عند الله تعالى سوى الإسلام - وهو شهادة أن لا إله إلا الله تعالى، والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله تعالى مثلما قاله قتادة 51.
وقيل: بل إن الشهادة من الله والملائكة وأولي العلم هي علم (إن الدين عند الله الإسلام) وبذلك يكون التقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام، وقيل: التقدير هو: شهد الله أنه لا إله إلا هو وأن الدين عند الله الإسلام - وذلك يقتضي أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام - وهذه حقيقة معلومة لا تقبل الشك، ويزيدنا في ذلك يقينا قوله تعالى في آية أخرى: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) 52.
وكيفما يكون التقدير فإن الأهم من ذلك أن نتصور كون الشهادة من الله والملائكة وأولي العلم قائمة على أن الإسلام دون غيره لهو المعتبر - وهو وحده عنده الله المقبول، ويحمل المسلمون مثل هذه القناعة القطعية لا جرم أن ذلك مبعثه حقيقة التصور المتكامل عن الإسلام - وهو أن الإسلام لهو دين البشرية حقيقة وصدقا - دين البشرية في كل مكان وزمان؛ وذلك لما يتجلى في الإسلام من خصائص الصلوح المميز بما يراعي طبيعة الإنسان أصدق مراعاة، هذه الطبيعة المركوزة المتشابكة المنسجمة المتكاملة التي لا يناسبها غير هذا الدين - - - دين الإسلام.
وهذا ما ينطق به الواقع المحس، ويعززه البرهان السليم، وتشهد له الفطرة الراسخة الغلابة.
قوله: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم) المراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى - فقد اختلفوا في نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم إذ أنكروها وقالوا: نحن أحق بالنبوة من قريش؛ لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب - قالوا ذلك بعد أن (جاءهم العلم) وهو البيان الحقيقي والكامل عن صفة الرسول محمد صلى الله عليه و سلم، وعن نبوته وهو ما وجوده في كتبهم، لكنهم مع ذلك جحدوا نبوته صلى الله عليه و سلم وناصبوه العداء وتصدوا لدعوة الإسلام بالتآمر والخيانة والكيد والتشويه والتشكيك والافتراء، سواء كان ذلك في زمن النبوة الميمونة أو ما بعدها خلال عصور الإسلام حتى زماننا الراهن هذا، فما فتئ أهل الكتاب- يتجشأون- آناء الليل والنهار- سموم التواطؤ والعدوان على الإسلام؛ لتدميره واستئصاله من القواعد، ولن يفلحوا في ذلك بمشيئة الله، ولسوف ترتد مكائدهم مؤامرتهم ومخططاتهم إلى نحورهم ليزدادوا على مر الزمن قلقا وتغيظا، ولن يقضي بهم ذلك إلا إلى السقوط في مهاوي الفشل والخسران والعار - (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) 53.
قوله: (بغيا بينهم) بغيا مفعول لأجله منصوب - أي فعلوا ما فعلوه؛ لما يركم في نفوسهم المريضة من حسد وكراهية للإسلام والمسلمين.