فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 2536

جاء في سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه و سلم: إنك تدعي أنك عل ملة إبراهيم، فلو كان الأمر كذلك فكيف تأكل لحوم الإبل وألبانها مع أن ذلك كان حراما في دين إبراهيم، ويريدون بذلك إثارة الشبهة في دعوته عليه الصلاة والسلام، فأجابهم صلى الله عليه و سلم عن هذه الشبهة المصطنعة بقوله: ذلك أن حلا لإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، إلا أن يعقوب حرمه على نفسه.

والذي حرمه يعقوب على نفسه كلحوم الإبل وألبانها، فقد قيل: كان به عرق النسا وهو شديد الإيجاع، حتى إنه ما كان ينام منه في ليله، فنذر لئن شفي من هذا المرض لا يأكل أحب الطعام إليه وكان ذلك أحبه إليه - وقيل: فعل ذلك للتداوي بإشارة الأطباء 153 لكن اليهود أنكروا ذلك فأمرهم الرسول صلى الله عليه و سلم بإحضار التوراة وطالبهم بأن يستخرجوا منها آية تدل على أن لحوم الإبل وألبانها كانت محرمة على إبراهيم عليه السلام، فعجزوا عن ذلك، فاستبان أنهم كاذبون وأنهم أهل افتراء وباطل.

على أن يستفاد من ظاهر الآية جواز وقوع النسخ وهو ما ينكره اليهود، فقد كانوا يعولون في إنكار شريعة الإسلام على إنكار تشريع النسخ، فأبطل الله عليهم ذلك لما بين جواز حصول النسخ - وذلك من جملة الدلالات والحجج على صدق الإسلام وصدق رسول الله الأمين عليه الصلاة من الله والتسليم.

وفي بيان أن النسخ الذي أنكروا وقوعه قد وقع في التوراة هو أن الله تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحا عليه السلام لما خرج من السفينة أباه الله له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها، فاتبعه بنوه في ذلك، وجاءت التوراة بتحريم ذلك.

وكان الله عز وجل قد أذن لآدم في تزويج بناته من بنيه وقد حرم ذلك بعد كله - وكان التسري على الزوجة مباحا في شريعة إبراهيم عليه، وقد فعله إبراهيم في هاجر لما تسرى بها على سارة، وقد حرم مثل هذا في التوراة عليهم وكذلك كان الجمع بين الأختين سائغا وقد فعله يعقوب عليه السلام إذ جمع بين الأختين ثم حرم ذلك عليهم في التوراة - هذا كله منصوص عليه في التوراة عند اليهود، وهذا هو النسخ بعينه 154.

قوله: (كل الطعام كان حالا لبني إسرائيل) الطعام أي المطعومات - والمعنى أن كل المطعومات كانت حلالا لبني إسرائيل وهو يعقوب لم يحرم عليهم منها شيء إلا ما كان يعقوب حرمه على نفسه وهي لحوم الإبل وألبانها - وهذا مقتضى قوله تعالى: (إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) .

وقوله: (من قبل أن تنزل التوراة) أي قبل نزول التوراة كان حلا لبني إسرائيل كل المطعومات سوى ما حرمه إسرائيل (يعقوب) على نفسه - أما بعد التوراة فلم يبق كذلك، بل حرم الله تعالى عليهم أنواعا كثيرة بسبب ظلمهم وبغيهم - وفي ذلك رد على اليهود لما أنكروا ما قصه الله سبحانه على رسوله صلى الله عليه و سلم من أن سبب ما حرمه الله عليهم هو ظلمهم وبغيهم كما في قوله: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) الآية - فقد كانوا يقولون كاذبين: لسنا أول من حرمت عليه هذه المطعومات وما ذلك إلا تحريم قديم، فقد كانت هذه المطعومات محرمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل وهكذا - - إلى أن انته التحريم إلينا فحرمت علينا كما حرمت على من قبلنا - وقصدهم من ذلك تكذيب شهادة الله عليهم بالبغي والظلم والصد عن سبيل الله وأكل الربا وأخذ أموال الناس بالباطل وما عدد من مساوئهم التي كلما ارتكبوا منها كبيرة حرم علي 155 هم نوعا من الطيبات عقابا لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت