وفي معرض التحريض عل الجهاد ومحاربة الأعداء يأمر الله المسلمين في هذه السورة بأن يأخذوا حذرهم ثم ليكن نفيرهم بعد ذلك على الحالة التي يرون لد اندفاعهم في ملاحقة العدو أو مقابلته سواء كان ذلك عل نحو من الكتائب والسرايا أو أن ينفروا جميعا - وفي هذا الصدد تحتوي السورة عل نصيب كبير من الدعوة للحرب لمجاهدة اللئام المتربصين الذين يرفضون شرع الله والذين يبتغون الفساد والخراب في الأرض - ولا ريب أن هؤلاء يقاتلون من أجل الباطل وفي سبيل الشيطان فيجب قتالهم دون تريّث أو هوادة ويجب أن لا يأخذ المسلمين في ذلك شيء من هلع أو خشيه فالله سبحانه هو أحق أن يخشى وأن يطاع.
وفي السورة تبيين لحال القتل سواء كان خطأ أو عمدا - وثمة مرتبة أخرى وسط وهي شبه العمد وهي أقرب للخطأ منها للعمد لانعدام القصد المبيّت بالقتل.
وفي السورة كذلك تجويز لقصر الصلاة عند السفر وذلك أن تتحول الصلوات ذوات الركعات الأربع إلى ركعتين اثنتين - ثم تلي ذلك صلاة من نوع اخر وهي صلاة الخوف وذلك عند حمي الوطيس واشتداد لهيب المعركة.
وفي السورة ما يعرف في الفقه بالخلع، بضم الخاء، وهو المخالعة بين الرجل والمرأة (الزوجان) إذا استحكم بينهما الشر من غير اقتدار بعد ذلك عل الاحتمال والعيش - فلا يبق بعد ذلك مناص من المفارقة لكي يذهب كل منهما في سبيله مقابل شيء من المال تدفعه المرأة لبعلها.
ثم تحذّر السورة من مغبة الحيف يوقعه الرجل على المرأة في حال التعدد - وهو حيف ظالم ومحرّم إذا كان ذلك يتم في مجال الواقع والحسّ كالنفقة والمبيت وكل صور الإكرام - أما إن كان التفضيل وجدانيا محشورا في خبايا القلوب فإن ذلك ما لا بأس فيه ولا إثم عليه؛ لأنه احساس وجداني لا طاقة للرجل عل التحكم فيه.
ثم يأمر الله المؤمنين بتصريف أمورهم وقضاياهم بالقسط مجانبين الميل والمحاباة مهما تكن الظروف وأن تكون شهاداتهم قائمة على الحق والقسطاس المستقيم حتى ولو كان ذلك على أنفسهم بالذات أو أقرب الأقربين إليهم من أبناء وآباء وغيرهم دون أن يأخذهم في ذلك إحساس عاطفي مؤثر تحت وطأة الشعور بالميل صوب الأرحام وأولي القربى أو الشعور بالحدب والإشفاق نحو الفقراء، أو أن يكون ذلك تزلفا للأغنياء ومخاطبة لودّهم ورضاهم.
ثم تعود الآيات الحكيمة لتكشف عن خبايا المنافقين وسوء مقاصدهم وهي تعرض في وضوح مكشوف لكذب المنافقين وخداعهم وسلوكم المتثاقل المصطنع وهم يقومون إلى الصلاة كسالى يراءون الناس - والمنافقون هم مجموعة من البشر الفاسد الذي يسير في الحياة خاوي الضمير، بليد الحس، لا يحفزه للخير أي حافز ولا يستشعر في نفسه إلا كل معاني الخسة والضعة والانحطاط - وهم بذلك أجدر أن يكونوا في الأذلين وأن يكونوا في الدرك الأسفل من النار.
وكذلك تعود الآيات الحكيمة لتكشف عن طبيعة بني إسرائيل فيما فطروا عليه من الشح والضن بالخير وتطاولهم على أنبيائهم بكثرة الطلب والسؤال ثم بالأذى والقتل، وافترائهم عل مريم العذراء البتول ليتقولوا عليها بالزور والبهتان - وفي هذا الصدد تركز الآيات الحكيمة عل نبذ الدعوى المفتراة بقل المسيح وصلبه، وأن ذلك لم يكن إلا من قبيل التشبيه فقط.
ومما يجدر ذكره بعد ذلك كله أن نبين سبب تسمية هذه السورة بهذا الاسم (النساء) فنقول إن سورة النساء تحمل في اسمها مدلولا عظيما يشير إل الشأن الواضح الكبير الذي يرسيه الإسلام للمرأة باعتبارها شطر الإنسانية ونصفها المعتبر.