فهرس الكتاب

الصفحة 493 من 2536

سبب نزول هذه الآية أن رجلا من الأنصار وآخر من اليهود قد تخاصما فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، والآخر يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف وهو زعيم اليهود - وقيل كان بين أحد المنافقين ورجل من اليهود خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى أن يحتكما إلى النبي (ص) ؛ لأنه يعلم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي لكي يحتكما إلى كعب بن الأشرف زعيم اليهود في المدينة؛ لأنه يعلم أنه يقبل الرشوة فأبى اليهودي أن يخاصمه لغير رسول الله (ص) فلما رأى المنافق ذلك فأتى معه إلى النبي والاحتكام إليه فقضى النبي (ص) لليهودي فلما خرجا كلاهما من عند النبي قال المنافق: لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر ليقضي بيننا فحكم لليهودي فلم يرض المنافق وقال انطلق بنا إلى عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله (ص) ثم إلى أبي بكر فلم يرض (يقصد المنافق) فقال عمر للمنافق: أكذاك هو؟ قال: نعم فقال عمر: رويدكما حتى أخرج إليكما فدخل فأخذ السيف ثم ضرب به المنافق فقتله، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله وهرب اليهودي - فنزلت الآية فقال الرسول (ص) لعمر:"أنت الفاروق"ونزل جبريل وقال: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق 99.

ومن المناسب أن يتسع مفهوم هذه الآية ليشمل كل من يزعم أنه يؤمن بالله وما أنزل على النبيين من قبله ثم يحتكم إلى غير ما أنزل الله من شريعة وتصوّر - وذلك هو الفصام المصطنع الفادح الذي يفصم عرى الدين عروة عروة - فصام يسوّل للخاطئين أن يقتصروا من الدين على بعض أجزائه ليذروا ما فيه من جوانب أساسية أخرى لا قوام للدين بغيرها - مع أن من أجلى ما في الإسلام من خصائص أنه كل لا يتجزأ وأنه يؤخذ جملة واحدة متماسكة متكاملة كيلا يتخذه الخاطئون عضين - والقرآن يندد بشدة بأولئك المارقين الخاطئين الذين يتخذون القرآن عضين من الذين يؤمنون من القرآن ببعض أجزائه ومعانيه ثم يتخذون ما بقي ظهريا - قال سبحانه: (كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين) - وعضين جمع ومفرده عضة وهي الفرقة أو القطعة من الشيء 100.

وعلى ذلك فإن من أفدح الفوادح المنكرة أن يقتصر من يظن نفسه مؤمنا على بعض الجوانب المفروضة في هذا الدين ثم يظن بعدها أنه على الصواب - لكنه في تصور الإسلام بعيد عن الصواب بعدا يزحزحه عن نطاق الإسلام كله، أو يقذفه في مهاوي الضلالة والشرك من حيث يعلم أو لا يعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت